محمد سعيد رمضان البوطي

175

فقه السيرة ( البوطي )

مصرع فلان » ، ولقد وقع الأمر كما أخبر عليه الصلاة والسلام ، فما تزحزح أحد في مقتله عن موضع يده كما ورد في الحديث الصحيح . ومع ذلك فقد رأيناه يقف طوال ليلة الجمعة في العريش الذي أقيم له ، يجأر إلى اللّه تعالى داعيا ومتضرعا ، باسطا كفيه إلى السماء يناشد اللّه عز وجل أن يؤتيه نصره الذي وعده حتى سقط عنه رداؤه وأشفق عليه أبو بكر ، والتزمه قائلا : كفى يا رسول اللّه ، إن اللّه منجز لك ما وعد ، فلماذا كل هذه الضراعة ما دام أنه مطمئن إلى درجة أنه قال : لكأني أنظر إلى مصارع القوم ، وأنه حدد مصارع بعضهم على الأرض ؟ . والجواب : أن اطمئنان النبي صلى اللّه عليه وسلم وإيمانه بالنصر ، إنما كان تصديقا منه للوعد الذي وعد اللّه به رسوله ، ولا شك أن اللّه لا يخلف الميعاد ، وربما أوحى إليه بخبر النصر في تلك الموقعة . أما الاستغراق في التضرع والدعاء وبسط الكف إلى السماء ، فتلك هي وظيفة العبودية التي خلق من أجلها الإنسان ، وذلك هو ثمن النصر في كل حال . فما النصر - مهما توفرت الوسائل والأسباب - إلا من عند اللّه وبتوفيقه ، واللّه عز وجل لا يريد منا إلا أن نكون عبيدا له بالطبع والاختيار ، وما تقرب متقرب إلى اللّه بصفة أعظم من صفة العبودية ، وما استأهل إنسان بواسطة من الوسائط استجابة دعاء من اللّه تعالى ، كما استأهل ذلك بواسطة ذل العبودية يتزيّى ويتبرقع به بين يدي اللّه تعالى . وأما أنواع المصائب والمحن المختلفة التي تهدد الإنسان في هذه الحياة أو تنزل به ، إلا أسباب وعوامل تنبهه لعبوديته ، وتصرف آماله وفكره إلى عظمة اللّه سبحانه وتعالى وباهر قدرته ، كي يفر إليه سبحانه وتعالى ويبسط أمامه ضعفه وعبوديته ، ويستجير به من كل فتنة وبلاء ، وإذا استيقظ الإنسان في حياته لهذه الحقيقة وانصبغ سلوكه بها ، فقد وصل إلى الحدّ الذي أمر اللّه عباده جميعا أن يقفوا عنده وينتهوا إليه . فهذه العبودية التي اتخذت مظهرها الرائع في طول دعاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وشدة ضراعته ومناشدته لربه أن يؤتيه النصر ، هي الثمن الذي استحق به ذلك التأييد الإلهي العظيم في تلك المعركة ، وقد نصت على ذلك الآية الكريمة إذ تقول : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) [ الأنفال : 9 ] ، ويقينا منه صلى اللّه عليه وسلم بهذه العبودية للّه عز وجل ، كان واثقا بالنصر مطمئنا إلى أن العاقبة للمسلمين ، ثم قارن مظهر هذه العبودية التي تجلت في موقفه صلى اللّه عليه وسلم ونتائج ذلك ، مع مظهر ذلك الطغيان والتجبر