محمد سعيد رمضان البوطي

122

فقه السيرة ( البوطي )

ثمن من الجهاد والصبر والتعب وخوض الشدائد ، كان من السهل جدا على اللّه عز وجل أن يقيم دعائم المجتمع الإسلامي بدونه ، ولكن تلك هي سنة اللّه في عباده ، أراد أن يتحقق فيهم التعبد له اختيارا ، كما تحققت فيهم صفة العبودية له إجبارا . ولا يتحقق التعبد بدون بذل الجهد ، ولا يمحّص الصادق من المنافق بدون عذاب أو استشهاد ، وليس من العدل أن يكسب الإنسان الغنم دون أن يبذل على ذلك شيئا من الغرم . من أجل ذلك كلف اللّه الإنسان بأمرين اثنين : 1 - إقامة شرعة الإسلام ومجتمعه . 2 - السير إلى ذلك في طريق شائكة مجهدة غير معبدة . والآن فلنتأمل في هذه الثمار التي أخذت تبدو على رأس إحدى عشرة سنة من دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وطبيعتها ، وكيفية نموها : أولا : جاءت هذه الثمار المنتظرة من خارج قريش بعيدة عن قومه عليه الصلاة والسلام على الرغم من جواره معهم واحتكاكه بهم ، فلماذا ؟ . قلنا في أوائل هذا الكتاب ، لقد اقتضت حكمة اللّه الباهرة أن تسير الدعوة الإسلامية في سبيل لا تدع أي شك للمتأمل في طبيعتها ومصدرها ، حتى يسهل الإيمان بها ، ولا يقع أي التباس بينها وبين غيرها من الدعوات الأخرى ، من أجل ذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب ، ومن أجل ذلك بعث في أمة من الأميين الذين لم يقتبسوا حضارة ولم يعرفوا بمدنية أو ثقافة معينة ، ومن أجل ذلك جعله اللّه مثال الخلق الكريم والأمانة والنزاهة . ومن أجل ذلك اقتضت حكمة اللّه عز وجل أن يكون أنصاره الأول من غير بيئته وقومه ، حتى لا يظن ظان بأن دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم كانت في حقيقتها دعوة قومية حاكتها رغبات قومه وظروف بيئته . وهذا في الواقع من أجلّ الدلائل التي تكشف للمتأمل أن يدا إلهية تحوط حياة الدعوة النبوية وظروفها من كل جانب ، كي لا توجد في أي جانب منها ثغرة لمطعن ، يقوم به مشكك أو محترف غزو فكري . وهذا ما قاله واحد من الباحثين الأجانب أنفسهم ، فقد جاء في كتاب حاضر العالم الإسلامي ، نقلا عن دينه قوله : « إن هؤلاء المستشرقين الذي حاولوا نقد سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذا الأسلوب الأوروبي