محمد سعيد رمضان البوطي
117
فقه السيرة ( البوطي )
ثالثا : المعنى الموجود في الإسراء به صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس . إن في الاقتران الزمني بين إسرائه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماوات السبع ، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند اللّه تعالى ، وفيه دلالة واضحة أيضا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى ابن مريم ومحمد بن عبد اللّه عليهما الصلاة والسلام ، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي ابتعثهم اللّه عز وجل به . وفيه دلالة على مدى ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت ، من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة ، وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين ، وكأن الحكمة الإلهية تهيب بمسلمي هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة ، وأن يطهروها من رجسهم ، ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين . ومن يدري ؟ فلعل واقع هذا الإسراء العظيم هو الذي جعل صلاح الدين الأيوبي رحمه اللّه يستبسل ذلك الاستبسال العظيم ويفرغ كل جهده في سبيل صد الهجمات الصلبية عن هذه البقعة المقدسة حتى ردهم على أعقابهم خائبين . رابعا : وفي اختيار النبي صلى اللّه عليه وسلم اللبن على الخمر حينما قدمها له جبريل عليه السلام دلالة رمزية على أن الإسلام هو دين الفطرة ، أي الدين الذي ينسجم في عقيدته وأحكامه كلها مع ما تقتضيه نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة ، فليس في الإسلام شيء مما يتعارض والطبيعة الأصيلة في الإنسان ولو أن الفطرة كانت جسما ذا طول وأبعاد ، لكان الدين الإسلامي الثوب المفصل على قدره . وهذا من أسرار سعة انتشاره وسرعة تقبل الناس له ، إذ الإنسان مهما ترقى في مدارج الحضارة وغمرته السعادة المادية ، فإنه يظل نزاعا إلى استجابة نوازع الفطرة لديه ، ميالا إلى الانعتاق عن ربقة التكلفات والتعقيدات البعيدة عن طبيعته ، والإسلام هو النظام الوحيد الذي يستجيب لأعمق نوازع الفطرة البشرية . خامسا : كان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معا ، على ذلك اتفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين ، قال النووي في شرح مسلم ما نصه : والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسرى بجسده صلى اللّه عليه وسلم ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث