محمد سعيد رمضان البوطي

112

فقه السيرة ( البوطي )

المنتهى وأوحى اللّه إليه عندئذ ما أوحى . . وفيها فرضت الصلوات الخمس على المسلمين ، وهي في أصلها خمسون صلاة في اليوم والليلة « 1 » . ولما كانت صبيحة اليوم التالي وحدث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس بما شاهد ، طفق المشركون يجمع بعضهم بعضا ليتناقلوا هذا الخبر الطريف ويضحكوا منه ، وتحداه بعضهم أن يصف لهم بقايا بيت المقدس ما دام أنه قد ذهب إليه وصلى فيه ، والرسول حينما زاره لم يخطر في باله أن يجيل النظر في أطرافه ويحفظ أشكاله وعدد سواريه ، فجلّى له اللّه عز وجل صورته بين عينيه وأخذ يصفه لهم وصفا تفصيليا كما يسألون ، روى البخاري ومسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لما كذبتني قريش قمت في الحجر ، فجلّى اللّه لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه » . أما أبو بكر رضي اللّه عنه فقد حدثه بعض المشركين عما يقوله الرسول ، رجاء أن يستعظمه فلا يصدقه ، فقال : إن كان قال ذلك لقد صدق ، إني لأصدقه على أبعد من ذلك . وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كيفية الصلاة وأوقاتها ، وكان عليه السلام قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا ومثليهما مساء كما كان يفعل إبراهيم عليه السلام . العبر والدلالات : أولا : كلمة عن الرسول والمعجزات : يولع بعض الباحثين بالمبالغة في تصوير حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم على أنها حياة بشرية عادية ، وذلك من خلال الإطناب في بيان أن حياته صلى اللّه عليه وسلم ، لم تكن معقدة وراء الخوارق والمعجزات ، بل كان منكرا لها غير عابىء بها ولا ملتفت إلى المطالبين بها ، وأنه كان يؤكد دائما أن المعجزات والخوارق ليست من شأنه وليس له إليها سبيل ، ويكثرون في هذا من الاستشهاد بمثل قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأنعام : 109 ] بحيث يخيل إلى القارئ أو السامع أن سيرته صلى اللّه عليه وسلم كانت بعيدة كل البعد عن المعجزات والآيات التي يؤيد اللّه بها في العادة أنبياءه الصادقين .

--> ( 1 ) إذا أردت الوقوف على قصة الإسراء والمعراج ، فاقرأها في صحيح مسلم أو البخاري أو أي مصدر من مصادر السنة الصحيحة ، وحاذر أن تعتمد على مثل كتاب « معراج ابن عباس » فهو مليء بالكذب والأباطيل وابن عباس بريء من هذا الكتاب .