محمد سعيد رمضان البوطي

106

فقه السيرة ( البوطي )

إذا فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يعلّم أصحابه وأمته من بعده بما كان يلاقيه ، الصبر ، بل وفن الصبر أيضا على جميع الشدائد والمكاره في سبيل اللّه عز وجل . ربما يقول قائل : فما معنى ارتفاع صوته بالشكوى إذا ، وما معنى دعائه الذي تدل ألفاظه وصيغته على الضجر والملل من طول المحاولة التي لم تأت بنتيجة إلا الأذى والعذاب ؟ . والجواب : أن الشكوى إلى اللّه تعبد ، والضراعة له والتذلل على بابه تقرب وطاعة ، وللمحن والمصائب حكم ، من أهمها أنها تسوق صاحبها إلى باب اللّه تعالى وتلبسه جلباب العبودية له ، فليس إذا بين الصبر على المكاره والشكوى إلى اللّه تعالى أي تعارض ، بل الواقع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يعلمنا في حياته كلا الأمرين . فكان بصبره الشديد على المحن يعلمنا أن هذه هي وظيفة المسلمين عامة والدعاة إلى اللّه خاصة ، وكان بطول ضراعته والتجائه إلى اللّه تعالى يعلمنا وظيفة العبودية ومقتضياتها . على أن النفس البشرية مهما تسامت فهي لا تتجاوز دائرة بشريتها على كل حال ، والإنسان مجبول في أصل فطرته على الإحساس والشعور . . الشعور بلذة النعيم والشعور بألم العذاب ، وهو مجبول على الركون إلى الأول والفزع من الثاني . وهذا يعني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى وهو يوطّن نفسه لتلقّي كل أنواع الضر والعذاب في سبيل ربه فهو مع ذلك بشر ، يتألم للضر ويستريح للنعيم . ولكنه مع هذا يفضل الضر مهما كانت آلامه ، على النعيم مهما كانت لذائذه ، إرضاء لوجه ربه وأداء لحق العبودية عليه ، ولا ريب أن هذا هو مناط استحصال الثواب وظهور معنى التكليف للإنسان . ثانيا : إذا تأملت في مشاهد سيرته مع قومه ، وجدت أن ما كان يجده صلى اللّه عليه وسلم من الأذى في هذه المشاهد قد يكون قاسيا شديدا ، بيد أنك واجد في كل مشهد منهاجا منها ما يعتبر ردا إلهيا على ذلك الإيذاء وما يهدف إليه أربابه ، كي يكون في ذلك مواساة وسلوى للرسول عليه الصلاة والسلام ، وكي لا يتجمع في النفس من عوامل التألم والضجر ما يدخل إليها اليأس . ففي مشهد هجرته صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف ، وما قد اكتنفها من العذاب المضني : عذاب الإيذاء وعذاب الخيبة ، مما قد مرّ ذكره تجد ردا إلهيا واضحا على سفاهة أولئك الذين آذوه ولحقوا به واعتذارا له عن سفاهتهم وغلظتهم ، تجد ذلك في مظهر الرجل النصراني