محمد سعيد رمضان البوطي
103
فقه السيرة ( البوطي )
نفسه ، في أكثر الأحيان ، ومن أجل تخفيف هذا الحزن عليه كانت تنزل الآيات مواسية له ومسلية ، ومذكّرة إياه بأنه ليس مكلفا بأكثر من التبليغ ، فلا داعي إلى أن يذهب نفسه عليهم حسرات إذا لم يستجيبوا ولم يؤمنوا ، استمع مثلا إلى هذه الآيات : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) [ الأنعام : 33 - 35 ] . هجرة الرسول إلى الطائف ولما نالت قريش من النبي صلى اللّه عليه وسلم ما وصفناه من الأذى ، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند اللّه عز وجل . ولما انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف ، هم يومئذ ساداته ، فجلس إليهم ودعاهم إلى اللّه وكلمهم بما جاءهم من أجله ، فردوا عليه ردا منكرا ، وفاجؤوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول ، فقام رسول اللّه من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذا ، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضا ، ثم أغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى إن رجليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لتدميان ، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شجّ في رأسه عدة شجاج « 1 » ، حتى وصل رسول اللّه إلى بستان لعتبة بن ربيعة ، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد عليه الصلاة والسلام ، وقد أنهكه التعب والجراح ، إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ، فلما اطمأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الظلّ ، رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتهجمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك » .
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 1 / 196 .