محمد سعيد رمضان البوطي
97
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
عام الحزن وهو العام العاشر من بعثته صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد توفيت فيه زوجته خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها ، وتوفي فيه عمه أبو طالب ، ويقول ابن سعد في طبقاته : « كان بين وفاة خديجة وأبي طالب شهر وخمسة أيام » . وقد كانت خديجة رضي اللّه عنها ، كما قال ابن هشام ، وزير صدق على الإسلام ، يشكو الرسول إليها ويجد عندها أنسه وسلواه . أما أبو طالب ، فقد كان عضدا وحرزا في أمره ، وكان ناصرا له على قومه . يقول ابن هشام : « فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا . ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيته والتراب على رأسه ، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول لها : لا تبكي يا بنية فإن اللّه مانع أباك » « 15 » . ولقد أطلق النبي صلّى اللّه عليه وسلم على هذا العام اسم ( عام الحزن ) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة . العبر والعظات : ترى ، ما الحكمة في أن يتعجل قضاء اللّه تعالى في استلاب أبي طالب من الحياة ، قبل أن يشتد ساعد المسلمين في مكة ويتكون لهم شيء من المنعة ؟ ومعلوم أنه قد كان يحمي الرسول - قدر الإمكان - من كثير من المصائب والشدائد ، وما الحكمة في أن يتعجل القضاء باستلاب زوجته خديجة رضي اللّه عنها ، وقد كان يجد عندها أنسه وسلواه ، وينفض بمساعدتها عن كاهله كثيرا من أحاسيس الشدائد والآلام ؟ تبرز هنا ظاهرة هامة تتعلق بأساس العقيدة الإسلامية . فلو أن أبا طالب بقي إلى جانب ابن أخيه يكلؤه ويحميه إلى أن تقوم الدولة الإسلامية في المدينة وريثما ينجو الرسول من أذى المشركين وقبضتهم ، لكان في ذلك ما قد يوهم أن أبا طالب كان من وراء هذه الدعوة ، وأنه هو الذي كان يدفعها إلى الأمام ويحميها بمكانته وسلطانه بين قومه ، وإن لم يظهر الإيمان بها والانضواء تحت لوائها ، ولجاء من يطيل ويطنب في بيان الحظ
--> ( 15 ) رواه ابن إسحاق ، وانظر تاريخ الطبري : 2 / 544