محمد سعيد رمضان البوطي
90
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الاستسلام لهذا الحق والتفاعل معه ، أما الآخرون فلم يجدوا ما يعوقهم عن الاستسلام لشيء آمنوا به واستيقنوه . فما العلاقة بين هذه الحقيقة التي يفهمها كل باحث ، وما يزعمه أولئك الزاعمون ؟ وأما أن خطة الدعوة الإسلامية التي سلكها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانت تهدف إلى امتلاك المسلمين لمنابع الثروة واستيلاءهم على عروش الملوك واستلاب السيادة منهم ، - بدليل أن المسلمين قد وصلوا فعلا إلى ذلك - فإنه واللّه أشبه بمحاولة الجمع بين المشرق والمغرب ؟ . . إذا كان المسلمون قد تمكنوا من فتح بلاد الروم وفارس ، في حقبة يسيرة من الزمن ، بعد أن صدقوا اللّه في إسلامهم ، أفيكون ذلك دليلا على أنهم ما أسلموا إلا طمعا بعرش الروم والفرس ؟ ! . لو أنهم أرادوا من وراء إسلامهم الوصول إلى شهوة من شهوات الدنيا أيا كانت ، لما تحقق لهم ولا الجزء اليسير من معجزة ذلك الفتح . لو كان عمر وهو يجهز جيش القادسية ويودع قائده سعد بن أبي وقاص ، يطمع في كنوز كسرى ، ويسيل لعابه رغبة في أن يتقلب في مثل نعيمه ويجلس على مثل عرشه ، لما عاد إليه سعد إلّا بأثقال من الخيبة والهوان ، ولكنهم صدقوا اللّه في الجهاد من أجل نصرة دينه ، فصدقهم فيما أكرمهم به من تمليكهم زمام الحكم وإغنائهم بما لم يكونوا يحلمون . لو كان الحلم الذي يراود المسلمين في معركة القادسية ، وصولا إلى ثروة وتقلبا في نعيم وتحقيقا للذائذ العيش ، إذن لما دخل ربعي بن عامر رضي اللّه عنه سرادق رستم مزدريا مظاهر الترف التي غمس فيها السرادق غمسا يتوكأ بزج رمحه على البسط والنمارق الفاخرة حتى أفسدها ، ولما قال لرستم : « إن دخلتم الإسلام تركناكم وأرضكم وأموالكم » ! . . أهكذا يقول من جاء ليستلب الملك والأرض والمال ؟ لقد أكرمهم اللّه بمقدرات الدنيا كلها ، لأنهم لم يكونوا يفكرون فيها ، وإنما كان تفكيرهم منصرفا إلى تحقيق مرضاة اللّه . ولو كانوا يهدفون من جهادهم إلى هذه المقدرات لما وصلوا إلى شيء منها . المسألة بما فيها ليست إلا تحقيقا للقانون الإلهي الذي يقول : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [ القصص 28 / 5 ] . وإن تفهم هذا القانون لأيسر ما يكون على العقل أي عقل كان ، بشرط واحد ، هو أن يكون صاحبه حرا عن العبودية لأي رغبة أو غرض .