محمد سعيد رمضان البوطي

88

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

قد تسمع بعض المبطلين من محترفي الغزو الفكري ، يقولون : « إن عصبية بني هاشم وبني المطلب ، كانت تكمن خلف دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وكانت تحوطها بالرعاية والحفظ ! . . والدليل على ذلك موقفهم السلبي من مشركي قريش في مقاطعتهم للمسلمين » . وإنها لمغالطة مكشوفة ، لا يتماسك عليها حجاب أي منطق ولو كان صوريا . ذلك لأن من الطبيعي جدا أن تقود الحمية الجاهلية بني المطلب وبني هاشم إلى الذود عن حياة ابن عم لهم ، عندما تتهددها يد غريبة ويدنو إليها بالسوء شخص دخيل . والحمية الجاهلية ، إذ تدفع ذوي القرابة إلى مثل هذا التعصب ، لا تنظر إلى مبدأ ، ولا تتأثر في ذلك بحق أو بباطل ، وإنما هي العصبية ولا شيء غير العصبية . ولذلك أمكن أن يجتمع في ذوي قرباه صلّى اللّه عليه وسلم صفتان متناقضتان بحسب الظاهر ، الاستكبار على دعوته والجحود بها ، والانتصار له ضدّ سائر المشركين من قريش . ومع ذلك ، فأي فائدة حققوها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم من وراء اعتصامهم معه ؟ لقد أوذوا كما أوذي هو وأصحابه ، ومضت قريش في قطيعتها للمسلمين بالضراوة والشراسة اللتين أرادتهما دون أن يخفف بنو هاشم وبنو المطلب من غلوائهما شيئا . والمهم أن تعلم بأن حماية أقارب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له ، لم تكن حماية للرسالة التي بعث بها ، وإنما كانت حماية لشخصه من الغريب ، وإذا أمكن أن تستغلّ هذه الحماية ، من قبل المسلمين ، وسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرد لمكائدهم وعدوانهم ، فأنعم بذلك من جهد مشكور ، وسبيل يتنبهون إليها . * * * أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومعه أصحابه المؤمنون ، فما الذي كان يمسكهم على هذا الضيق الخانق ؟ . . وأي غاية كانوا يتأملونها من وراء الثبات على الشدة ؟ . . بماذا يجيب على هذا السؤال ، أولئك الذين يتأولون رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وإيمان أصحابه بها على أنها ثورة يسار ضدّ يمين أي ثورة الفقراء المضطهدين ضدّ الأغنياء المترفين ؟ تصور هذه السلسلة التي استعرضناها ، من حلقات الإيذاء والتعذيب ، لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، ثم أجب على ضوئها ، كيف يستقيم أن تكون دعوة الإسلام ثورة اقتصادية ألهبها الجوع وقادها الحقد على تجار مكة وأرباب الفعاليات الاقتصادية فيها ؟ . . لقد عرض المشركون على محمد صلّى اللّه عليه وسلم الملك والثراء والزعامة ، على أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام ، فلماذا لم يرض عليه الصلاة والسلام بذلك ؟ ولماذا لم يثر عليه أصحابه ولم يضغطوا عليه