محمد سعيد رمضان البوطي

71

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

والسّرّ في ذلك ، أن حقيقة هذا الدّين الذي بعث اللّه به عامة أنبيائه ورسله ، إنما هي الخروج عن سلطان الناس وحكمهم إلى سلطان اللّه وحكمه وحده . وهي حقيقة تخدش أول ما تخدش ألوهية المتألهين وحاكمية المتحكمين وسطوة المتزعمين ، وتناسب أول ما تناسب حالة المستضعفين والمستذلين والمستعبدين ، فيكون ردّ الفعل أمام الدعوة إلى الإسلام للّه وحده هو المكابرة والعناد من أولئك المتألهين والمتحكمين ، والإذعان والاستجابة من هؤلاء المستضعفين ، وانظر ، فإن هذه الحقيقة تتجلى لك بوضوح في الحديث الذي دار بين رستم قائد الجيش الفارسي في وقعة القادسية ، وربعي بن عامر الجندي البسيط في جيش سعد بن أبي وقاص . فقد قال له رستم : « ما الذي دعاكم إلى حربنا والولوع بديارنا ؟ فقال : جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده . ثم نظر إلى صفوف الناس الراكعين عن يمين رستم وشماله ، فقال متعجبا : لقد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ، ولكني لا أرى قوما أسفه منكم ، إننا معشر المسلمين لا يستعبد بعضنا بعضا ، ولقد ظننت أنكم تتواسون كما نتواسى ، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب لبعض . . فالتفت الدهماء المستضعفون إلى بعضهم يتهامسون : « صدق واللّه العربي » . أما القادة والرؤساء فقد وجدوا في كلام ربعي هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته ، وقال بعضهم لبعض : « لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه » « 3 » . ولا يعني هذا الكلام أن المستضعفين الذين أسرعوا إلى الإسلام قبل غيرهم لم يكن دخولهم فيه عن إيمان بل عن قصد ورغبة في التخلص من أذى المستكبرين وسلطانهم . ذلك لأن الإيمان باللّه وحده والتصديق بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، كان قدرا مشتركا بين زعماء قريش ومستضعفيها ، فما منهم أحد إلا وهو يعلم صدق النّبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما يخبر عن ربّه ، غير أن الزعماء والكبراء فيهم كانت تصدّهم زعامتهم عن الانقياد والاتّباع له ، وأجلى مثل على ذلك عمه أبو طالب . وأما الفقراء والمستضعفون فما كان ليصدهم عن التجاوب مع إيمانهم والانقياد له عليه الصلاة والسلام شيء . أضف إلى ذلك ما يشعر به أحدهم عند إيمانه بألوهية اللّه وحده من الاعتزاز به وعدم الاكتراث بسلطان غير سلطانه أو قوة غير قوته . فهذا الشعور الذي هو ثمرة للإيمان باللّه عزّ وجلّ ، يزيده في الوقت ذاته قوة ويجعل صاحبه في نشوة وسعادة غامرة . ومن هنا نعلم عظم الفرية التي يفتريها بعض محترفي الغزو الفكري في هذا العصر ، حينما

--> ( 3 ) انظر تفصيل هذه القصة في كتاب : إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء ، تأليف محمد الخضري : 100