محمد سعيد رمضان البوطي
66
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
يكون اللّه عزّ وجلّ قد قلاه بعد أن أراد أن يشرّفه بالوحي والرسالة ، لسوء قد صدر منه ، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه وراحت تحدثه نفسه ، كلما وصل إلى ذروة جبل ، أن يلقي بنفسه منها ! . . إلى أن رأى ذات يوم الملك الذي رآه في حراء ، وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض يقول : « يا محمد أنت رسول اللّه إلى الناس » . فعاد مرة أخرى وقد استبدّ به الخوف والرعب إلى البيت ، حيث نزل عليه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . . [ المدثر 74 / 1 - 2 ] . إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهاما نفسيا ، ضربا من الجنون ، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال . إذن فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح ، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشككون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم اللّه بها محمدا عليه الصلاة والسلام . وإذا تبين لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده عزّ وجلّ . وربما عاد بعد ذلك محترفو التشكيك ، يسألون : فلماذا كان ينزل عليه صلّى اللّه عليه وسلم الوحي بعد ذلك وهو بين الكثير من أصحابه فلا يرى الملك أحد منهم سواه ؟ والجواب : أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار ، إذ إن وسيلة الإبصار فينا محدودة بحدّ معين ، وإلّا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته . على أن من اليسير على اللّه جلّ جلاله - وهو الخالق لهذه العيون المبصرة - أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى ، يقول مالك بن نبي في هذا الصدد : « إن عمى الألوان مثلا يقدم لنا حالة نموذجية ، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون ، وهنا لك أيضا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا ، ولا شيء يثبت علميا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون ، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية » « 24 » . ثم إن استمرار الوحي بعد ذلك يحمل الدلالة نفسها على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون : ظاهرة نفسية محضة . ونستطيع أن نجمل هذه الدلالة فيما يلي : 1 - التمييز الواضح بين القرآن والحديث ، إذ كان يأمر بتسجيل الأول فورا ، على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه ، لا لأن الحديث كلام من عنده لا علاقة للنّبوة به ، بل لأن القرآن موحى به إليه بنفس اللفظ والحروف بواسطة جبريل عليه السلام . أما الحديث فمعناه
--> ( 24 ) الظاهرة القرآنية : 127