محمد سعيد رمضان البوطي

52

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

تجارته بمال خديجة وزواجه منها كانت خديجة - كما يروي ابن الأثير وابن هشام - امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه ، فلما بلغها عن رسول اللّه صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق ، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره ، ومعه غلامها ميسرة . وقد قبل محمد عليه الصلاة والسلام هذا العرض فرحل إلى الشام عاملا في مالها ومعه ميسرة . فحالفه التوفيق في هذه الرحلة أكثر من غيرها ، وعاد إلى خديجة بأرباح مضاعفة ، فأدى لها ما عليه في أمانة تامة ونبل عظيم . ووجد ميسرة من خصائص النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعظيم أخلاقه ما ملأ قلبه ، دهشة له ، وإعجابا به فروى ذلك لخديجة . فأعجبت خديجة بعظيم أمانته ، ولعلها دهشت لما نالها من البركة بسببه ، فعرضت نفسها عليه زوجة بواسطة صديقتها ( نفيسة بنت منيّة ) ، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام ، وكلم في ذلك أعمامه فخطبوها له من عمها عمرو بن أسد . وتزوجها عليه الصلاة والسلام وقد تمّ له من العمر خمسة وعشرون عاما ولها من العمر أربعون . وقد كانت تزوجت خديجة قبل زواجها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم برجلين الأول منهما عتيق بن عائذ التميمي ، ثم خلفه عليها أبو هالة التميمي واسمه هند بن زرارة « 9 » . العبر والعظات : أما عمله صلّى اللّه عليه وسلم في مال خديجة ، فهو استمرار لحياة الكدح التي بدأها برعي الأغنام ، ولقد شرحنا طرفا مما يتعلق بذلك من الحكمة والعبرة . وأما فضلها ومنزلتها في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلقد ظلت لخديجة مكانة سامية عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طوال حياته ، وقد ثبت في الصحيحين أنها خير نساء زمانها على الإطلاق . روى البخاري ومسلم أن عليا رضي اللّه عنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد » « 10 » .

--> ( 9 ) رواه ابن سيد الناس في ( عيون الأثر ) وابن حجر في الإصابة ، وغيرهما . وقد جرى خلاف في الأول منهما . والذي رجحه ابن سيد الناس ورواه قتادة وابن إسحاق أن الأول منهما هو عتيق بن عائذ والثاني هند بن زرارة . ( 10 ) الضمير في نسائها عائد - كما تدل رواية مسلم - إلى السماء بالنسبة لمريم وإلى الأرض بالنسبة لخديجة . وقال الطيبي : الضمير الأول راجع إلى الأمة التي كانت فيها مريم ، والثاني إلى هذه الأمة . وانظر فتح الباري : 7 / 91