محمد سعيد رمضان البوطي

49

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

أول دار بمكة سمعت عزفا فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : عرس ، فجلست أسمع ، فضرب اللّه على أذني ، فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس ، فعدت إلى صاحبي ، فسألني فأخبرته ، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة ، ثم ما هممت بعده بسوء » « 8 » . العبر والعظات : يدل حديث بحيرا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - وهو حديث رواه عامة علماء السيرة ورواتها وأخرجه الترمذي مطوّلا من حديث أبي موسى الأشعري - على أن أهل الكتاب من يهود ونصارى ، كان عندهم علم ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام ومعرفة بعلاماته ، وذلك بواسطة ما جاء في التوراة والإنجيل من خبر بعثته وبيان دلائله وأوصافه . والدلائل على ذلك كثيرة مستفيضة . فمنها ما رواه علماء السيرة من أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه ويقولون : إن نبيا سيبعث قريبا سنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، ولما نكثوا عهدهم أنزل اللّه في ذلك قوله : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة 2 / 89 ] . وروى القرطبي وغيره أنه لما نزل قول اللّه تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة 2 / 146 ] سأل عمر بن الخطاب عبد اللّه بن سلام وقد كان كتابيا فأسلم : أتعرف محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كما تعرف ابنك ؟ فقال : نعم وأكثر ، بعث اللّه أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته ، أما ابني فلا أدري ما الذي قد كان من أمّه . ولقد كان سبب إسلام سلمان الفارسي تتبع خبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وصفاته من الإنجيل والرهبان وعلماء الكتاب . ولا ينافي هذا أن كثيرا من أهل الكتاب ينكرون هذا العلم ، وأنّ الأناجيل المتداولة خالية عن الإشارة إلى ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم . فمن المعلوم بالبداهة ما تقلّب على هذه الكتب من أيدي التبديل والتغيير المتلاحقة . وصدق اللّه إذ يقول في محكم تبيانه : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ البقرة 2 / 78 ، 79 ] . أما إقباله على رعي الأغنام لقصد اكتساب القوت والرزق ففيه ثلاث دلالات هامة :

--> ( 8 ) رواه ابن الأثير ورواه الحاكم عن علي بن أبي طالب وقال عنه : صحيح على شرط مسلم . ورواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر .