محمد سعيد رمضان البوطي
45
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وقد حصلت أثناء وجوده صلّى اللّه عليه وسلم في بادية بني سعد ( حادثة شق الصدر ) التي رواها مسلم « 1 » ، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تمّ له من العمر خمس سنوات . ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمّه آمنة ، وما أن تحول الرسول إلى كفالة جده عبد المطلب حتى وافته هو الآخر منيته فمات وقد تمّ للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ثماني سنوات ، فكفله عمه أبو طالب . العبر والعظات : يؤخذ من هذا المقطع من سيرته صلّى اللّه عليه وسلم مبادئ وعظات هامة نجملها فيما يلي : 1 - فيما أوضحناه من نسبه الشريف صلّى اللّه عليه وسلم ، دلالة واضحة على أن اللّه سبحانه وتعالى ميز العرب على سائر الناس ، وفضل قريشا على سائر القبائل الأخرى . تجد هذه الدلالة واضحة في الحديث الذي رويناه عن مسلم ، وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة أخرى . فمن ذلك ما رواه الترمذي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قام على المنبر فقال : « من أنا ؟ فقالوا : أنت رسول اللّه عليك السلام ، فقال : أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، إن اللّه خلق الخلق ، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا » « 2 » . واعلم أن مقتضى محبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها ، لا من حيث الأفراد والجنس بل من حيث الحقيقة المجردة . ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية ، قد شرف كل منها - ولا ريب - بانتساب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إليها . ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين ، عن صراط اللّه عز وجل ، وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامية التي اختارها اللّه لعباده ، لأن هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسبة بينه وبين الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ويلغيها من الاعتبار . 2 - ليس من قبيل المصادفة أن يولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتيما ، ثم لا يلبث أن يفقد جده أيضا ، فينشأ النشأة الأولى من حياته بعيدا عن تربية الأب ورعايته محروما من عاطفة الأم وحنوها . لقد اختار اللّه عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة ، لعلّ من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام الناس بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي
--> ( 1 ) راجع قصة استرضاعه في بادية بني سعد وخبر شق صدره في سيرة ابن هشام : 1 / 64 وانظر صحيح مسلم : 1 / 101 و 102 ( 2 ) الترمذي : 9 / 236 كتاب المناقب .