محمد سعيد رمضان البوطي
369
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
إلى الألسن ، وخيف على القرآن من جراء ذلك . وكتوسيعه الكبير لمسجد المدينة المنورة . وما ضرّ أن اعتمد عثمان في كثير من فتوحاته على عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح وأمثاله فإن الإسلام يجبّ ما قبله ، ولعلّ ابن سرح ، كفّر بأعماله الجليلة هذه ما كان قد بدر منه من قبل . والمعلوم أنه قد استقام من بعد على سبيل الرشد ، وكان من أفضل الناس دينا . ثانيا - مهما توجه النقد إلى عثمان رضي اللّه عنه ، بسبب اختياره الولاة والأعوان أو أكثرهم ، من أقاربه من بني أمية ، فإنّ علينا أن نعلم أن ذلك كان اجتهادا منه ، وقد دافع عن رأيه في ذلك أمام كثير من الصحابة . ومهما كان موقفنا من رأيه ودفاعه عنه ، فما ينبغي أن يدفعنا النقد إلى سوء أدب في التحليل أو القول ، وما ينبغي أن ينسينا خطؤه في ذلك - إن اعتبرناه خطأ - مكانته الرفيعة عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وسابقته في الإسلام ، وقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له يوم تبوك : « ما ضرّ عثمان ما صنع بعد اليوم » . وينبغي أن نعلم أن مناقشة الصحابة له واعتراضهم عليه فيما فعل من ذلك ، شيء ، واجترارنا اليوم للأمر ذاته ، بدافع من النقد والانتقاص شيء آخر . اعتراض الصحابة عليه ، معالجة لأمر قائم يمكن تغييره وإصلاحه ؛ فالبحث فيه وإن كان على أساس النقد والتخطيء ، عمل إيجابي مفيد . أما حديثنا نحن اليوم ، وقد طوي الأمر وأصبح حدثا من أحداث التاريخ ، فإنه إنما يغدو مجرد تطاول رخيص على الصحابة الذين أثنى عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وحذّر من الإساءة إليهم ، لا سيما الخلفاء الراشدون . ويكفي ، لمن ابتغى الأمانة العلمية في رواية الأحداث ، أن يقف من بيانها والحديث عنها عند الحدود التي التزم بها الكتّاب والمؤرخون الثقات من أمثال الطبري وابن كثير وابن الأثير . . ثالثا - مع ظهور مقدمات الفتنة في أواخر عهد عثمان ، يظهر اسم عبد اللّه بن سبأ على مسرح الأحداث ، ويبرز دوره جليا في تأجيج نيران هذه الفتنة . وعبد اللّه بن سبأ في أصله يهودي من اليمن . جاء إلى مصر في عهد عثمان ، وأخذ يستثير الناس على عثمان ويتظاهر بحب عليّ وآل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وكان يقول للناس فيما يقول : أليس محمد أفضل من عيسى عند اللّه عز وجل ؟ . . إذن فإن محمدا أحق بالعودة إلى الناس من عيسى ، وإنما يعود محمد إليهم في شخص ابن عمه عليّ الذي هو أقرب الناس إليه « 3 » . وقد استطاع أن يخدع بهذا التدجيل أناسا في مصر ، بعد أن ردد أقواله هذه في اليمن دون أن يؤيده فيها أحد . وهؤلاء الذين خدعوا بكلامه ، هم الذين توجه بهم إلى المدينة ليثوروا على عثمان ، ولكن الذي ردّهم على أعقابهم إنما هو عليّ رضي اللّه عنه كما قد رأيت .
--> ( 3 ) البداية والنهاية : 7 / 167