محمد سعيد رمضان البوطي

360

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

كيف تمّ اختيار عثمان : اجتمع أهل الشورى الذين عيّنهم عمر في بيت من البيوت يتشاورون في هذا الأمر ، ووقف طلحة بوابا يمنع دخول الناس عليهم ، وانتهوا إلى أن فوّض ثلاثة منهم الأمر إلى الثلاثة الآخرين ، ففوّض الزبير الأمر إلى عليّ ، وفوّض سعد إلى عبد الرحمن بن عوف ، وترك طلحة حقه إلى عثمان . فقال عبد الرحمن لعليّ وعثمان : أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوّض الأمر إليه ؟ فسكت الشيخان ، فقال عبد الرحمن : إني أترك حقي من ذلك ، واللّه عليّ والإسلام أن أجتهد فأوليّ أولا كما بالحق ، فقالا : نعم ، ثم خاطب كلّا منهما بما فيه من الفضل ، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولّاه ليعدلنّ ، ولئن ولّي عليه ليسمعن ويطيعن ، فقال كل منهما نعم ، ثم تفرقوا . ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس فيهما ، فاستشار رؤوس الناس وقادتهم جميعا وأشتاتا ، مثنى وفرادى ومجتمعين ، سرّا وجهرا ، وانتهى إلى النساء المخدّرات في حجبهن ، ثم سأل الولدان في المكاتب ، وسأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة ، طوال ثلاثة أيام بلياليها . فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان ، إلا ما ذكر من أن عمار بن ياسر والمقداد أشارا بعليّ رضي اللّه عنه ، ثم انضمّا إلى رأي عامة الناس . ثم اجتمع عبد الرحمن في اليوم الرابع بعليّ وعثمان في دار ابن أخته المسور بن مخرمة . فقال : إني سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا . ثم خرج بهم إلى المسجد وبعث إلى وجوه الناس من الأمصار والمهاجرين ، فامتلأ المسجد حتى غصّ بالناس . ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتكلم ودعا دعاء طويلا ، ثم قال : أيها الناس إني سألتكم سرّا وجهرا بأمانيكم ، فلم أجدكم تعدلون بأحد من هذين الرجلين ، إما علي وإما عثمان . فقم إليّ يا عليّ ، فقام إليه فأخذ عبد الرحمن بيده فقال : هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر ؟ فقال : اللهم لا ، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي . فأرسل يده وقال : قم إليّ يا عثمان . فأخذ بيده فقال : هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنّة رسوله وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال : اللهم نعم . قال فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان قائلا : اللهم اسمع واشهد ، اللهم اسمع واشهد ، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك وجعلته في رقبة عثمان . فازدحم الناس يبايعون عثمان تحت المنبر ، وبايعه عليّ رضي اللّه عنه أول الناس وقيل آخرهم « 8 » . العبر والعظات : أولا - علمنا أن من أول الأعمال التي قام بها عمر رضي اللّه عنه عزله لخالد بن الوليد . ولقد

--> ( 8 ) ملخصا عن البداية والنهاية لابن كثير : 7 / 147