محمد سعيد رمضان البوطي
36
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ سورة البقرة 2 / 130 - 132 ] . وبه بعث موسى إلى بني إسرائيل . يقول اللّه تعالى عن سحرة فرعون : قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ، وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [ سورة الأعراف 7 / 125 - 126 ] . وبه بعث عيسى عليه الصلاة والسلام . يقول اللّه تعالى : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ سورة آل عمران 3 / 52 ] . قد يقال : فلماذا يحتفظ الذين يدّعون نسبتهم إلى موسى عليه الصلاة والسلام بعقيدة خاصة تختلف عن عقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء كلهم ؟ ولماذا يؤمن الذين يدّعون نسبتهم إلى عيسى عليه الصلاة والسلام بعقيدة خاصة أخرى ؟ والجواب على هذا ما قاله اللّه عزّ وجلّ في كتابه الكريم : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ سورة آل عمران 3 / 19 ] . وما قاله أيضا في سورة الشورى عقب قوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . . . الآية : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [ سورة الشورى 42 / 14 ] . فالأنبياء كلهم بعثوا بالإسلام الذي هو الدين عند اللّه . وأهل الكتاب يعلمون وحدة الدين ويعلمون أن الأنبياء إنما جاؤوا ليصدق كل واحد منهم الآخر فيما بعث به من الدين ، وما كانوا ليتفرقوا إلى عقائد متباينة مختلفة ولكنهم اختلفوا وتفرقوا واختلقوا على أنبيائهم ما لم يقولوه ، رغم ما جاءهم من العلم في ذلك ، بغيا بينهم كما قال اللّه تعالى .