محمد سعيد رمضان البوطي
345
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومنها حجرة عائشة رضي اللّه عنها مدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ، ثم بنوا جدارين على ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر » « 26 » . خامسا - شعوره صلّى اللّه عليه وسلم وهو يعاني سكرة الموت : وإنا لنستطيع أن ندرك شعوره وما كان قد انصرف إليه تفكيره وهمّه في تلك الساعة مما ذكرنا . فقد رأينا أنه بينما كان الناس مصطفين لصلاة فجر يوم الاثنين إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة رضي اللّه عنها قد كشف ، وبرز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من ورائه ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسّم يضحك ، حتى نكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وكاد الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحا به صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكنه أشار إليهم بيده أن أتّموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر . لقد كان تفكيره إذن منصرفا تلك الساعة إلى أمته ، وإلى ما سيكون عليه حالهم من بعده . . وإنك لتشعر من نظرته الباسمة إلى أصحابه وهم يقفون خاشعين بين يدي اللّه تعالى ، بمعنى الحب العظيم يفيض به فؤاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لهم ، بل وإنك لتجد في ابتسامته مظهرا لما كان يخفق به قلبه من حبّهم والدعاء لهم والتوجه إليهم . لقد أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( بأبي هو وأمي ) وهو يمرّ بآخر دقائق عمره أن يتزود من أصحابه رضوان اللّه عليهم بآخر نظره ، وأن يطمئن إلى الحق الذي تركهم عليه والهداية التي أرشدهم إليها . . فأراه اللّه منهم ما طابت به نفسه وقرّت له عينه ، حتى غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية في جسده فغلبها ، وإذا بالبشر والسرور والرضا يطفح كل ذلك على وجهه ، حتى خيّل للصحابة أنه صلّى اللّه عليه وسلم قد نشط من أوجاعه ، وعوفي من آلامه . ولكنهم ما عرفوا إلا أخيرا أنه إنما وقف ينظر إليهم تلك النظرة لينقلب بها إلى سكرة الموت ، وهي آخر لوحة تسجل في ذهنه لمشهد أصحابه ، بل وأمته كلها ، كي تكون هي العهد الباقي بينهم وبين اللّه عزّ وجلّ ، ولتكون هي الهمزة الواصلة بين لحظة الوداع لأمته في الدنيا ولحظة الاستقبال لها في الآخرة على حوضه الموعود . ولقد شاءت حكمة اللّه أن يكون هذا المشهد هو الصلاة ! . . وشاءت إرادة اللّه تعالى أن تكون هي العهد الأخير . . فيا أخي المسلم : العهد العهد الذي فارقت عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو راض يتبسّم .
--> ( 26 ) النووي على مسلم : 5 / 13 ، 14