محمد سعيد رمضان البوطي
340
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
لا نزلت ولا ركبت ، وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللّه ؟ ولقد رجع أسامة رضي اللّه عنه من هذه الغزوة منصورا ظافرا وكان في تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للمسلمين « 20 » . ثانيا - مشروعية الرّقية وفضلها : وهي التعويذة . ودليل ذلك ما رويناه من حديث البخاري ومسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوّذات ومسح عنه بيده . . إلخ . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم يرقي أصحابه بالقرآن آنا ، وبالأذكار والأدعية أخرى . روى مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال : أذهب البأس ربّ الناس ، واشف وأنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما » ، وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها . ومن أوضح الأدلة على مشروعية الرقية بالقرآن الكريم قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء 17 / 82 ] . والفرق بين الدعاء والرقية أن الرقية تزيد عليه المسح باليد والنفث بالفم ، وهو النفخ بدون ريق ، في الأصح ثم إنه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى جواز أخذ الأجر على الرقية ، وفصّل أبو حنيفة فمنعها على تعليم القرآن وأجازها على الرقية « 21 » ، ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم أن ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانوا في سفر ، فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم ، فقالوا لهم : « هل فيكم راق ، فإن سيّد الحي لديغ أو مصاب ، فقال رجل منهم نعم ، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب ، فشفي الرجل ، فأعطي قطيعا من غنم فأبى أن يقبلها ، وقال : حتى أذكر ذلك للنّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأتى النّبي صلّى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : يا رسول اللّه ، واللّه ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب ، فتبسّم وقال : وما أدراك أنها رقية ؟ ثم قال : خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم » . وقد نقل النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما الإجماع على مشروعية الرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام اللّه تعالى أو بأسمائه وصفاته ، وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثّر بذاتها ، بل بذات اللّه تعالى « 22 » .
--> ( 20 ) تاريخ الطبري : 3 / 22 ( 21 ) انظر شرح النووي على مسلم : 14 / 118 ( 22 ) راجع النووي على مسلم : 14 / 169 ، وفتح الباري لابن حجر : 10 / 152