محمد سعيد رمضان البوطي

330

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

القديم ، إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح في أغوار قصية من التاريخ المظلم القديم ، وإن خيّل إليه وهمه أنه إنما يتقدم صعدا ويخطو مترقيا . وأما البند الثالث : فقد أعلن فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر المقسّم عليها ، وذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية وصدر الإسلام . فقد كانوا - كما قال مجاهد وغيره - يجعلون حجهم كل عامين في شهر معين من السنة ، فيحجون في ذي الحجة عامين ، ثم يحجون في المحرم عامين وهكذا . فلما حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذا العام ، وافق حجه شهر ذي الحجة وأعلن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك أن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق اللّه السماوات والأرض . أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديما وتأخيرا ، ولا حجّ بعد اليوم إلا في هذا الزمن الذي استقر اسمه : ذو الحجة . وذكر بعضهم أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثنى عشر شهرا وخمسة عشر يوما . فكان الحج في رمضان وفي شوال وذي القعدة . . وفي كل شهر من السنة ، وذلك بحكم استدارة الشهر بسبب زيادة الخمسة عشر يوما . ولقد كان حجّ أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة واقعا في شهر ذي القعدة بسبب ذلك ، فلما كان العام المقبل ، ( وفيه قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحج الوداع ) وافق حجّه ذا الحجة في العشر منه وطابق الأهلة . وأعلن حينئذ عليه الصلاة والسلام نسخ الحساب القديم للزمن وأن السنة إنما تعتبر بعد اليوم اثنى عشر شهرا فقط ، فلا تداخل بعد اليوم . قال القرطبي : وهذا القول أشبه بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الزمان استدار . . » أي إن زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، بأصل المشروعية التي سبق بها علمه « 142 » وفي البند الرابع : أوصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خيرا بالنساء ، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية ، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية . ولقد كانت هذه الحقيقة جديرة بتأكيد التوصية بها ، بسبب أولئك المسلمين الذين كانوا قريبي عهد بتقاليدهم الجاهلية التي تقضي بإهمال شأن المرأة وعدم الاعتراف بأي حق لها ، ولعل هنالك حكمة أخرى لهذه التوصية والاهتمام بها . وهي أن يكون المسلمون في كل عهد وطور من الزمن ، على بيّنة من الفرق الكبير بين كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية التي ضمنتها شرعة الإسلام ، وما يهدف إليه بعضهم من استباحة الوسائل المختلفة إلى التمتع والتلهي بها ، وهو ما حاربه الإسلام . وفي البند الخامس : وضع النبي صلّى اللّه عليه وسلم الناس من جميع المشكلات التي قد تعترض حياتهم ،

--> ( 142 ) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 8 / 137 و 138