محمد سعيد رمضان البوطي

327

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الأمر ، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة ، فلم يكن واجبا قبل ذلك ولم يحج النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعدها غير هذه الحجة . ولذلك كان يطلق كثير من الصحابة على حجة الوداع هذه اسم حجة الإسلام ، أو حجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبها عنون الإمام مسلم حديث هذه الحجة . ومن الأدلة على ذلك ، ما رواه الشيخان من خبر وفد عبد القيس الذين قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد جاء فيه أنهم قالوا له صلّى اللّه عليه وسلم : سرنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة ، قال : « آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع » ، وعدّد لهم الأوامر الأربعة فقال : « آمركم بالإيمان باللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تعطوا الخمس من الغنم » . ويبدو أنه إنما ذكر الأمر بالإيمان زيادة على الأربعة ، إذ هو معروف لهم ، غير أنه أعاد الأمر به للتأكيد ولبيان أنه أساس الأوامر الأربعة التي ذكرها بعد . وقد كان مجيء هذا الوفد في السنة التاسعة للهجرة . فلو كان الحج مفروضا إذ ذاك ، لعدّه في جملة الأوامر التي وجهها إليهم . ثانيا - المعنى الكبير لحجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إن لحجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذه معنى جليلا يتعلق بالدعوة الإسلامية ويتعلق بحياته صلّى اللّه عليه وسلم ويتعلق بالمنهج العام للنظام الإسلامي . لقد تعلم المسلمون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صلاتهم وصيامهم وأمر زكاتهم وعامة ما يتعلق بهم من عبادات وواجبات ، وبقي أن يعلمهم مناسكهم وكيفية أدائهم شعائر الحج بعد أن طويت تلك التقاليد الجاهلية المتوارثة أيام موسم الحج من تصدية وصفير وعري أثناء الطواف ، وقضي عليها مع القضاء على الأوثان وتطهير بيت اللّه الحرام منها . وإن الدعوة إلى الحج لبيت اللّه الحرام ستظل قائمة إلى يوم القيامة ، فهي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر من ربه سبحانه وتعالى . ولكنّ انحرافات الجاهلية وضلالات الوثنية قد زادت فيه تقاليد باطلة وصبغته بكثير من مظاهر الكفر والشرك ، وقد جاء الإسلام ليغسل هذه الشعيرة مما قد علق بها من أدران ، ويعيدها نقية صافية تشع بنور التوحيد وتقوم على أساس العبودية المطلقة للّه تعالى . من أجل ذلك أذّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الناس أنه حاجّ إلى بيت اللّه الحرام ، ومن أجل ذلك أقبل الناس من كل حدب وصوب يريدون أن يأتموا به ليتعلموا الأعمال الصحيحة للحج فلا يقعوا في رواسب التقاليد الجاهلية البائدة . ويبدو أنه قد ألقي في روعه صلّى اللّه عليه وسلم ، أن مهمته في الأرض توشك ان تنتهي ، فقد أدى