محمد سعيد رمضان البوطي

322

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

بعوث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الناس لتعليمهم مبادئ الإسلام وكما أقبلت الوفود تسعى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لإعلان إسلامها : فقد أخذ هو أيضا يبعث رسله يتفرقون في شتى الجهات ، وخاصة في جنوب الجزيرة ، لتعليم الناس مبادئ الإسلام وأحكامه . فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها ، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام حتى يستقر في قلوبهم بعد أن انتشر في ربوعهم . فأرسل صلّى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد إلى نجران ليدعو من هناك إلى الإسلام ويعلمهم مبادئه وأحكامه ، كما أرسل عليا رضي اللّه عنه إلى اليمن « 129 » . وأرسل صلّى اللّه عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضا بثّ كلّا منهما إلى طرف من أطرافها ، ووصّاهما قائلا : « يسرا ولا تعسّرا ، وبشرا ولا تنفّرا ، وتطاوعا » « 130 » وقال لمعاذ : « إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللّه حجاب » « 131 » . وفي مسند الإمام أحمد أنه صلّى اللّه عليه وسلم خرج مع معاذ إلى ظاهر المدينة يوصيه ومعاذ راكب ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمشي تحت راحلته . ثم قال : « يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ! ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري » فبكى معاذ لفراق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 132 » . ولبث معاذ في اليمن إلى ما بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكان الأمر كما أخبر به عليه الصلاة والسلام . العبر والعظات : أهم ما ينبغي على المسلم أن يفهمه من أمر هؤلاء الرسل وأمثالهم الذين بعثهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم

--> ( 129 ) طبقات ابن سعد ، وسيرة ابن هشام ، وفي البخاري : أرسل خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب إلى اليمن ، وانظر صحيح البخاري : 5 / 110 ( 130 ) متفق عليه . ( 131 ) متفق عليه . ( 132 ) مسند الإمام أحمد : 21 / 214