محمد سعيد رمضان البوطي

303

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

أضف إلى ذلك ما يتلبس به حال هؤلاء ( الذاكرين ) من التفوه بأصوات ليست من ألفاظ الذكر في شيء ، وإنما هي حمحمات وهمهمات تصّاعد من حلوقهم ، ليتكون منها دويّ متناسق معين ينسجم مع تواقيع المنشدين والمطربين ، فتحدث بذلك مزيدا من النشوة والطرب في النفوس . فكيف يكون هذا ذكرا للّه تعالى كالذي أمر اللّه به والذي كان يفعله الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ؟ ! . . وكيف يكون هذا العمل عبادة ، والعبادة - كما تعلم - هي ما شرعه اللّه تعالى في كتابه أو سنة رسوله لا يزاد عليها ولا ينقص منها ؟ ! . . واعلم أن هذا الذي نقوله ، هو ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية في مختلف العصور ، لم يشذّ عنه إلا قلة مبتدعة شرعوا من الدين ما لم يأذن به اللّه فكم من محرمات استحلوها ومن موبقات ارتكبوها ، باسم الوجد أو التواجد آنا ، وباسم الانعتاق من ربقة التكاليف آنا آخر . وإليك ما يقوله في هذا إمام من أجل أئمة المسلمين دينا وعلما وورعا وتصوفا وهو العز بن عبد السلام : ( وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث ، لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب ، كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبّه وذهب قلبه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » ولم يكن واحد من هؤلاء الذين يقتدون بهم يفعل شيئا من ذلك ) « 109 » . ويقول مثل هذا الكلام ابن حجر أيضا في كتابه : كف الرعاع ، وابن عابدين في حاشيته المشهورة المعتمدة عند السادة الأحناف ، مفرقا بين الوجد القاهر والتواجد المصطنع . أما الإمام القرطبي فيتوسع في التحذير من هذه البدعة وبيان حرمتها توسعا كبيرا . وإذا أردت أن تقف على كلامه في ذلك فارجع إلى تفسيره ، عند قوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ، وقوله تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا [ الإسراء 17 / 37 ] . ولولا الإطالة فيما ينبغي الاختصار فيه لسردت لك نصوص كثير من الأئمة في هذا الشأن ، لتعلم أن هذا هو الحق الذي اتفق عليه عامة الأئمة من سلف وخلف لا خلاف فيه ولا نزاع « 110 » .

--> ( 109 ) قواعد الأحكام في مصالح الأنام : 2 / 186 ( 110 ) قد يعجب البعض من أني أنكر على الوهابية الكثير من آرائهم ، مع ما أفعله هنا من الانحياز إليهم ، لاستنكار ما يراه الآخرون . ولا ريب أن هذا العجب إنما هو نتيجة تصور خاطئ لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم . فليس من الإسلام في شيء أن يتحول لدينا البحث العلمي في العقل إلى عصبية مستحكمة في النفس . وهيهات أن يكون من الإسلام في شيء ما يفعله بعضهم من الانتصار لما عرف به من مذهب ورأي ، مصطنعا بذلك الانتصار للإسلام ، وهو يعلم في قرارة