محمد سعيد رمضان البوطي

301

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ولقد كان من مقتضى هذا الاهتمام لدى الروم ، أن يكون الاشتباك بينهم وبين المسلمين عظيما وخطيرا . ولكن حكمة اللّه عز وجل تشاء أن يكتفى من جهاد المسلمين في هذه الغزوة بالجهد العظيم الذي بذلوه والمشقات الجسيمة التي تحملوها ، إذ قطعوا تلك المسافات المضنية بين المدينة وتبوك ذهابا وإيابا ، ولقد كانت - كما رأيت - رحلة عجيبة في عذابها وأتعابها ومشاهد العسر التي فيها . . وما الجهاد الذي أمر اللّه به ؟ هل هو إلا بذل النفس والجهد في سبيل شرعة اللّه ودينه ؟ . . إن هذا هو كل ما يريد اللّه من عباده ، ومعاذ اللّه أن يكون بحاجة من وراء ذلك إلى معونتهم لردّ كيد الكافرين أو إدخال معنى الهداية والإيمان في قلوب الجاحدين . وقد بذل ( جيش العسرة ) في هذه الغزوة العسيرة المضنية ، المال والجهد وضحّوا بالراحة في أجمل فرصها ، واستبدلوا به العذاب في أقسى صوره وأشكاله . ولقد برهنوا بذلك على صدق إيمانهم باللّه ومحبتهم له ، فحقّ لهم النصر والتأييد ، وأن يكفيهم اللّه القتال ، برعب من لدنه يقذفه في قلوب أعدائهم ، فيتفرقون عنهم ويخضعون لحكم اللّه فيهم . وهكذا فقد كان يسر خضوع الروم لحكم الجزية وقيودها ، في مقابل العسر الذي تحمله المسلمون مع رسولهم صلّى اللّه عليه وسلم في مرضاة ربهم جلّ جلاله . ثانيا - العبر والأحكام : وإنك لتجد في هذه الغزوة دروسا وأحكاما كثيرة ، نجمل منها ما يلي : 1 - ( أهمية الجهاد بالمال ) ، فالجهاد ضد أعداء الإسلام ليس محصورا بالخروج للغزو ، بل ولا يكفي منه ذلك وحده . فحيثما توقف أمر الجهاد بالقتال والسلاح على نفقات ومال ، وجب على المسلمين كلهم أن يقدموا من ذلك ما يقع موقعا من الكفاية ، بشرط أن يكون ذلك بنسبة ما يتفاوتون به من كفاية وغنى . ولقد قرر الفقهاء أن الدولة إذا ما اضطرت إلى النفقات للجهاد ، كان لها أن تفرض على الناس حاجتها من ذلك بالشكل الذي ذكرناه ، غير أنهم اتفقوا على أن ذلك مشروط بأن لا يكون في أموال الدولة ما يوضع في نفقات كمالية أو غير مشروعة . إذ أن أموال الناس ليست أولى من أموال الدولة بأن تصرف إلى حاجات الجند والقتال . هذا ، ولقد رأيت كيف أن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه قد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بثلاثمائة بعير بكل ما تحتاجه من الأقتاب والأجلاس وبمئتي أوقية من الفضة حتى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم » . وفي هذا بيان لفضل عثمان رضي اللّه عنه . بل وإن في هذه الكلمة التي قالها عنه عليه الصلاة والسلام : « ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم » زجرا وتأديبا لكل من أراد أن يطيل لسانه على عثمان من أمثال أولئك الذين يتشدقون بالنقد على