محمد سعيد رمضان البوطي
293
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
سابعا - الجهاد لا يعني الحقد على الكافرين : وقد دلّ على ذلك ما ذكرناه من أن بعض الصحابة قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند منصرفهم من حصار الطائف : « ادع اللّه على ثقيف ، فقال : اللهم اهد ثقيفا وأت بهم » . وهذا يعني أن الجهاد ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنما هي مسؤولية الناس كلهم بعضهم تجاه بعض ، لمحاولة إعتاق أنفسهم من العذاب الأبدي يوم القيامة . ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغي أن يتجه إلى غيرهم إلا بالهداية والإصلاح ، لأن هذه الغاية هي الحكمة من مشروعية الجهاد . ثامنا - متى يتملك الجند الغنائم ؟ ذكرنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لوفد هوزان حينما جاؤوه مسلمين : لقد استأنيت بكم ، أي أخرت قسم الغنائم آملا في إسلامكم . وهذا يدلّ على أن الجند إنما يملكون الغنائم بعد تقسيم الحاكم أو الإمام لها ، فمهما دامت قبل القسمة فهي لا تعتبر ملكا للمقاتلين . وتلك هي فائدة تأخير النبي صلّى اللّه عليه وسلم لتقسيمها بين المسلمين . كما أن هذا يدل أيضا على أن للإمام أن يعيد الغنائم إلى أصحابها إذا جاؤوه مسلمين إذا لم يكن قد قسمها بين الجند ، وقد كان هذا ما يفضله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ويدل موقفه صلّى اللّه عليه وسلم من وفد هوازن وأموالهم التي غنمها المسلمون ، على أن ما قسم من هذه الأموال بينهم ، لا يجوز للإمام أن يسترد شيئا منه إلا بطيب نفس من صاحبه دون أن يتأثر بأي جبر أو إكراه . وتأمل في مدى دقته صلّى اللّه عليه وسلم في أمر هذا الاستئذان من أصحاب الأموال فإنه عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يكتفي بصيحاتهم الجماعية المرتفعة : قد طيبنا ذلك يا رسول اللّه ( أي طابت بإرجاعه نفوسنا ) ؛ بل أصرّ على أن يعلم أمر هذا الرضى ويستوثق منه بواسطة السماع من كل شخص على حدة أو السماع من وكلائهم وعرفائهم . وهذا يعني أنه ليس للحاكم أن يستعمل شيئا من صلاحياته وسلطانه في حمل الناس على أن يتنازلوا عن شيء من حقوقهم وممتلكاتهم المشروعة ، بل إن الشارع لم يعطه شيئا من هذه الصلاحيات والامتيازات ، حتى ولو كان رسولا . وتلك هي العدالة والمساواة الحقيقية الرائعة ! . . فلتدفن نفسها في الرغام كل دعوى باطلة تريد أن تخب - بالألفاظ والشعارات - وراء هذه المثل والقيم الإلهية العظيمة . تاسعا - سياسة الإسلام نحو المؤلفة قلوبهم : لقد رأيت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اختص أهل مكة الذين أسلموا عام الفتح بمزيد من الغنائم عن