محمد سعيد رمضان البوطي

287

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

أمر الغنائم وكيفية تقسيم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لها وعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الجعرانة ، وفيها السبي والغنائم التي أخذت من هوازن في غزوة حنين ، فقسم السبي هناك . ثم قدم عليه وفد من هوازن مسلمين ، وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « معي من ترون ، وأحب الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبي وإما المال ، وقد كنت استأنيت بكم ( أي أخّرت قسم السبي والغنائم آملا إسلامكم ) . وكان النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قد أنظرهم بضع عشرة ليلة حين رجع من الطائف . فقالوا : يا رسول اللّه خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا ، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المسلمين ، فأثنى على اللّه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين ، وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء علينا فليفعل « 81 » . فنادى الناس جميعا : قد طيّبنا ذلك يا رسول اللّه . فقال عليه الصلاة والسلام : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا ، وأذنوا » « 82 » ، فأعيد إلى هوازن سبيها . وسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وفد هوازن - فيما رواه ابن إسحاق - عن مالك بن عوف ما فعل ؟ فقالوا بالطائف مع ثقيف ، فقال لهم : « أخبروه أنه إن أتى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مئة من الإبل ، فأخبر مالك بذلك ، فجاء يلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة ، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مئة من الإبل ، وأسلم فحسن إسلامه » . وخصّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم المؤلّفة قلوبهم - وهم أهل مكة - بمزيد من الغنائم والآعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام ، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وقالوا : « يغفر اللّه لرسول اللّه ، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ! » « 83 » . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم ، ولم يدع معهم أحدا غيرهم ، ثم قام فيهم ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال :

--> ( 81 ) أي بأن يردّ السبي بشرط أن يعطى عوضه فيما بعد . ( 82 ) رواه البخاري ، ورواه الطبري والبيهقي وابن سيّد الناس كلهم عن طريق ابن إسحاق بمزيد من التفصيل . ( 83 ) متفق عليه .