محمد سعيد رمضان البوطي
279
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
5 - حرمة تمكين غير المسلمين من الإقامة فيه : وقد أوضحنا هذا الحكم مع بيان دليله عند ذكر الحكم الأول ، وهو حرمة القتال فيه . سادسا - تأملات فيما قام به صلّى اللّه عليه وسلم من أعمال عند الكعبة المشرفة : 1 - الصلاة داخل الكعبة : ذكرنا ما رواه البخاري عن ابن عباس من أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يدخل البيت حتى أخرج ما كان فيه من أصنام وأخرجت صورة لإبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام . . ثم دخل البيت فكبّر في نواحيه ولم يصل . وقد روى مسلم عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي ، فأغلقها عليه ثم مكث فيها . قال ابن عمر : فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قال : « جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه » ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى . وقد روى البخاري عن ابن عمر قريبا من هذا . وقد قال العلماء إنه لا تعارض بين الحديثين ، وذلك لأن ابن عباس - وهو راوي حديث عدم الصلاة - لم يكن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم داخل الكعبة ، وإنما أسند نفي الصلاة - كما يقول ابن حجر - تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل ، على أن الفضل أيضا لم يكن معهم في الكعبة . أما بلال ، وهو الذي نقل إثبات الصلاة ، فقد كان معه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبناء على هذا ينبغي أن يقدم حديث ابن عمر عن بلال ، لسببين : الأول : أنه مثبت فمعه زيادة علم ، والمثبت مقدم على النافي . الثاني : أن رواية بلال عن تثبت ومشاهدة لأنه كان معه صلّى اللّه عليه وسلم في داخل الكعبة ، أما رواية ابن عباس فهي كما علمت إنما تستند إلى نقل لا مشاهدة ، وهو مرة ينقل عن أسامة ، ومرة ينقل عن أخيه الفضل ، والفضل لم يكن موجودا معه . قال النووي : « أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال ، لأنه مثبت فمعه زيادة علم ، فواجب ترجيحه » « 67 » . وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الصلاة تصح في داخل الكعبة إذا اتجه المصلي إلى أحد جدرانها ، سواء في ذلك النافلة والفريضة . وفرق مالك : « فصحح النفل المطلق دون الفرض والرواتب » « 68 » . 2 - حكم التصوير واتخاذ الصور : وقد رأيت فيما نقلناه من حديث البخاري نفسه أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أخرج كل ما فيها من صور وأصنام ، وقد روى أبو داود عن جابر رضي اللّه
--> ( 67 ) راجع فتح الباري : 3 / 304 ، وشرح مسلم للنووي : 9 / 82 ( 68 ) انظر النووي على مسلم . وطرح التثريب للحافظ العراقي : 5 / 175