محمد سعيد رمضان البوطي
269
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
تستطيع أن تبصر قيمة الدعوة السابقة وأحداثها وأن تبصر أسرارها وحكمها الإلهية مجسدة أمام عينيك . الآن ، وقد اطلعت على قصة فتح مكة ، تستطيع أن تدرك قيمة الهجرة منها قبل ذلك . تستطيع أن تدرك قيمة التضحية بالأرض والوطن والمال والأهل والعشيرة في سبيل الإسلام . فلن يضيع شيء من ذلك كله إن بقي الإسلام . . ولكن ذلك كله لن يغني عن صاحبه شيئا إن لم يكن قد بقي له الإسلام . الآن ، وقد تأملت أحداث هذا الفتح الأكبر ، تستطيع أن تدرك تماما قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي تمت من قبله ، إن شيئا من ذلك لم يذهب بددا ، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدرا ، ولم يتحمل المسلمون كل ما لا قوه ، مما قد رأيت في غزواتهم وأسفارهم ، لأن رياح المصادمات فاجأتهم بها . ولكن كل ذلك كان جاريا وفق حساب . . وكل ذلك كان يؤدي أقساطا من ثمن الفتح والنصر . . وتلك هي سنة اللّه في عباده ؛ لا نصر بدون إسلام صحيح ، ولا إسلام بدون عبودية له ، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله . والآن ، وقد رأيت خبر هذا الفتح ، تستطيع أن تدرك القيمة الكبرى لصلح الحديبية ، وأن تستشف من وراء ظاهرها الذي أدهش عمر وكثيرا من الصحابة ، السر الإلهي الرائع ، وأن تقف باطمئنان تام على المعنى الذي من أجله أطلق اللّه على ذلك الصلح اسم الفتح : فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً وإذا أدركت هذا ، أدركت مزيدا من حقائق النبوة التي كانت تقود حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . أتذكر يوم خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم من وطنه ، مكة ، مستخفيا في بطون الشعاب والأودية ، مهاجرا إلى يثرب ، وقد سبقه من قبله ولحقه من بعده أصحابه القلة المستضعفون يتسللون مهاجرين ، وقد تركوا المال والأهل والأرض من أجل أن يبقى لهم الدين ؟ . . هاهم أولاء وقد رجعوا إلى الوطن والأهل والمال ، وقد كثروا بعد قلة ، وتقووا بعد ضعف ، واستقبلهم أولئك الذين أخرجوهم بالأمس خاشعين أذلاء خاضعين . . ودخل أهل مكة في دين اللّه أفواجا ، وأقبل بلال الحبشي وهو الذي طالما عذب في رمضاء مكة على أيدي المشركين ، فصعد على الكعبة المشرفة ينادي بأعلى صوته : اللّه أكبر . . اللّه أكبر . ذلك الصوت الذي كان يهمس يوما ما تحت أسواط العذاب : أحد ، أحد ، أحد ، ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة اللّه تعالى قائلا : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه والكل خاشع منصت خاضع ! . .