محمد سعيد رمضان البوطي

26

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

هو أن العلاقة التي نراها بين الأسباب ومسبباتها ، ليست إلا علاقة اقتران مطرد ، اكتسبت تحليلا ، ثم تعليلا ، ثم استنبط منها القانون الذي هو تابع لظهور تلك العلاقة وليس العكس . فإن رحت تسأل القانون العلمي عن رأيه في خارقة أو معجزة إلهية ، قال لك بلسان الحال الذي يفقهه كل عالم بل كل متبصر بثقافة العصر : ليست الخوارق والمعجزات من موضوعات بحثي واختصاصي ، فلا حكم لي عليها بشيء . ولكن إذا وقعت خارقة من ذلك أمامي فإنها تصبح في تلك الحال موضوعا جاهزا للنظر والتحليل ، ثم الشرح والتعليل ، ثم تغطي تلك الخارقة بقانونها التابع لها « 4 » . وقد انقرض الزمن الذي كان بعض العلماء يظنون فيه أن أثر الأسباب الطبيعية في مسبباتها أثر حتمي يستعصي على التخلف والتغيير . وانتصر الحق الذي طالما نبّه إليه ودافع عنه علماء المسلمين عامة والإمام الغزالي خاصة ، من أن علاقات الأسباب بمسبباتها ليست أكثر من رابطة اقتران مجردة . وما العلم في أحكامه وقوانينه إلا جدار ينهض فوق أساس هذا الاقتران وحده . أما سرّ هذا الاقتران فهو عند ذلك الإله العظيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . ولقد رأينا العالم التجريبي ( دافيد هيوم ) كيف يجلّي هذه الحقيقة بأنصع بيان صارم . نعم ، لا بد أن يشترط كل إنسان عاقل يحترم العقل والحقيقة ، لقبوله أيّ خبر ، سواء تضمن أمرا خارقا أو مألوفا ، شرطا واحدا ، ألا وهو أن يصل ذلك الخبر إليه عن طريق علمي سليم ينهض على قواعد الرواية والإسناد ومقتضيات الجرح والتعديل ، بحيث يورث الجزم واليقين ، وتفصيل القول في هذه الموازين العلمية العظيمة يستلزم كلاما طويل الذيل لسنا بصدد شيء منه الآن . إنّ رجل العلم اليوم . ليأخذ منه العجب كل مأخذ ، عندما يقف أمام هذا الذي يقوله رجل مثل حسين هيكل في مقدمة كتابه ( حياة محمد ) : « وإنني لم آخذ بما سجلته كتب السّيرة والحديث ، لأنني فضلت أن أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية » ! . . أي أنه يطمئنك إلى أنه لم يأخذ حتى بما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم ، حفظا لكرامة العلم ! . . إذن فإن ما يرويه الإمام البخاري ضمن قيود رائعة عجيبة من الحيطة العلمية النادرة في رواية الكلمة والخبر ، انحراف عن جادة العلم . . على حين تكون طريقة الاستنتاج والحدس والتخمين وما يسمونه بمنهج التوسم ، حفظا لكرامته والتزاما لميزانه وجادّته ! . . أليس هذا من أفجع الكوارث النازلة برأس العلم ؟ . .

--> ( 4 ) انظر تفصيل هذا البحث في كتاب كبرى اليقينيات الكونية لمؤلف هذا الكتاب : 329 وما بعد .