محمد سعيد رمضان البوطي

259

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

النار : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود . وناداهم المسلمون وهم يسيرون : صحبكم اللّه ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين . فقال عبد اللّه بن رواحة : لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات قرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مرّوا على جدثي * أرشده اللّه من غاز ، وقد رشدا ولما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم ، فجمعوا لهم : جمع هرقل لهم أكثر من مئة ألف مقاتل من الروم ، وجمع شرحبيل بن عمرو مئة ألف مقاتل آخر من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء . وسمع المسلمون بذلك فأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا . فشجعهم عبد اللّه بن رواحة وقال لهم : يا قوم ، واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون : الشهادة . وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ، ولا كثرة ، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور أو شهادة . والتقى المسلمون بأعدائهم قبيل الكرك ، وقد اجتمع منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والعتاد ، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه حتى قتل رضي اللّه عنه طعنا بالرماح . ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فأبلى بلاء عظيما ، حتى إذا ألحمه القتال نزل عن فرسه فعقرها ثم انطلق يشتد في قتال القوم وهو يرتجز : يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها وظل يقاتل حتى قتل رضي اللّه عنه ، ضربه رجل من الروم فقدّه نصفين ، فوجد في جسمه خمسون طعنة ، ليس منها شيء في ظهره « 40 » ! . . ثم أخذ اللواء عبد اللّه بن رواحة وانطلق يرتجز قائلا : أقسمت يا نفس لتنزلنّه * لتنزلن أو لتكرهنّه إن أجلب الناس وشدوا الرنة * ما لي أراك تكرهين الجنّة

--> ( 40 ) رواه البخاري .