محمد سعيد رمضان البوطي

249

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

برديء أو غيره من المطعومات بمثله ، إلى وسيلة أخرى سائغة لا ربا فيها ، وهي أن يبيع الرديء بالدراهم ثم يشتري بها الجيد الذي يبتغيه . ولا يضيره في شيء ، إنه إنما يريد أن يتوسل بالبيع ، إلى شيء آخر كان محرما في الأصل وأنه لا يقصد البيع لذاته ، لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم سوغ ذلك . وإنما المحرم ما قد نهى عنه الكتاب أو نهت عنه السنة نهيا جازما . والحكم الذي يستنتج من هذا ، أنه يجوز التوصل إلى استباحة حكم محرّم بواسطة مشروعة لذلك ، ولا يعتبر ذلك حيلة محرمة ، فيجوز أن ينكح الرجل امرأة مطلقة بقصد تحليلها لزوجها السابق إذا لم يشترط ذلك في العقد ، ويجوز أن يعطي صاحب الدين زكاة ماله للمدين الذي عجز عن إبراء ذمته نحوه ، ثم يسترده منه عن دينه . ولا عبرة لمخالفة ابن القيم في هذا ، محتجا بأن الأعمال بمقاصدها ، وأن الذي باع ، قاصدا شيئا آخر غير ما شرع له البيع ، والذي نكح قاصدا غير الذي شرع له النكاح ، متلبسان بفعل باطل لأنهما حوّلا الحكم عن غايته إلى غاية أخرى لم يشرع لها ذلك الحكم ، نقول لا عبرة لكلامه هذا ، لأنه يناقض حديث البخاري الذي ذكرناه مناقضة صريحة والقواعد الفقهية إنما تأتي من وراء النصوص لا من فوقها ، ولأن ابن القيم ناقض نفسه مناقضة في منتهى الغرابة والعجب بصدد هذا البحث في كتابه أعلام الموقعين . فقد أطال في ذم تحريم بعض الصور التي سماها حيلا محرمة وأطنب في تفنيد آراء الأئمة القائلين بصحتها ، وتوعد بأن لهم مواقف عصيبة بين يدي اللّه يوم القيامة . ثم ما لبث بعد بضع صفحات أن راح يسوّغها ويضرب المثل بها للحيل الشرعية الصحيحة ، وكأنه ليس هو الذي أطنب قبل قليل في تفنيدها والتحذير منها « 25 » . * * * ثم إن في هذه الغزوة حادثتين ، كل منهما ثابت بالحديث الصحيح ، تعدان من الخوارق العظيمة التي أيد اللّه بها محمدا صلّى اللّه عليه وسلم . الأولى : أنه صلّى اللّه عليه وسلم تفل في عين علي رضي اللّه عنه وقد كان يشتكي منها ، فبرأت في الوقت نفسه حتى كأن لم يكن به وجع . الثانية : ما أوحى اللّه إليه من أمر الشاة المسمومة عندما أراد الأكل منها . ولأمر ما سبق قضاء اللّه تعالى فابتلع بشر بن البراء لقمته قبل أن ينطق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأنها مسمومة ، فكان

--> ( 25 ) انظر أعلام الموقعين : 3 / 292 ط التجارية عندما يتحدث عن حيلة التوسل بالخلع لدرء الطلاق قائلا : هذه الحيلة باطلة شرعا . . إلخ ثم انظر 4 / 110 منه ، لتجد كيف يسوغ هذه الحيلة ويوجهها بعشرة أوجه من الأدلة المعتبرة عنده . وانظر ما قبل ذلك وبعده لتجد صورا من التناقض العجيب ! وإذا أردت التوسع في بحث ما يسمى بالحيل الشرعية وأثر المقاصد في العقود والأحكام ، فارجع إلى تفصيل ذلك في كتابي : ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية من ص 293 إلى 324