محمد سعيد رمضان البوطي
243
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الصلح ، من التحلل والنحر والحلق ، على أن المحصر يجوز له أن يتحلل ، وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها ويحلق ثم ينوي التحلّل مما كان قد أهلّ به ، سواء كان حجّا أو عمرة . كما دلّ ذلك على أن المتحلّل لا يلزم بقضاء الحج أو العمرة إذا كان متطوعا ، وخالف الحنفية فرأوا أن القضاء بعد المباشرة واجب . بدليل أن جميع الذين خرجوا معه صلّى اللّه عليه وسلم في صلح الحديبية خرجوا معه في عمرة القضاء التي سيأتي ذكرها ، إلا من توفي أو استشهد منهم في غزوة خيبر . غزوة خيبر ثم سار النّبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى خيبر ، في أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة ، وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة جهة الشام . وكان مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلم في هذه الغزوة ألف وأربع مئة مقاتل ما بين فارس وراجل . قال ابن هشام : « فلما أشرف النّبي صلّى اللّه عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه قفوا ، ثم قال : « اللهم ربّ السماوات وما أظللن ، وربّ الأرضين وما أقللن ، وربّ الشياطين وما أضللن ، وربّ الرياح وما أذرين ، فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها . اقدموا باسم اللّه » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا غزا قوما ، لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار ، فبات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأقبل ، فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وفؤوسهم ومكاتلهم ، يقصدون مزارعهم ، فلما رأوه صلّى اللّه عليه وسلم ، صاحوا : محمد والخميس ، ثم ولّوا هاربين ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : اللّه أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » « 15 » . قال ابن سعد : « فوعظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الناس ، وفرق بينهم الرايات ، وابتدأت المعارك بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأهل خيبر - وقد تحصّنوا بحصونهم - وأخذ المسلمون يفتحونها حصنا حصنا : إلا الحصنين الأخيرين : الوطيح ، والسّلالم ، فقد حاصرهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بضع عشرة ليلة » . روى أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث بريدة بن الخطيب ، قال : « لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء ، فرجع ولم يفتح له ، فلما كان الغداة أخذه عمر ، فرجع ولم يفتح له ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلم لأدفعنّ لوائي غدا إلى رجل يفتح اللّه على يديه ، يحب اللّه ورسوله . قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم ( أي يتساءلون ويختلفون ) : أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس ، غدوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها . فقال أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل هو
--> ( 15 ) متفق عليه .