محمد سعيد رمضان البوطي

238

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بعينيه ، قال : « فو اللّه ما تنخّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده . وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له » . إنها صورة بارزة حيّة ، أوضحها عروة بن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له . وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عليها كل مسلم . إنها تدل أولا ، على أنه لا إيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بدون محبة له ، وليست المحبة له معنى عقلانيا مجردا ، وإنما هي الأثر الذي يستحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذي وصف به عروة بن مسعود أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وهي تدل ثانيا ، على أن التّبرك بآثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع . ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن تبرّك الصحابة رضي اللّه عنهم بشعر النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعرقه ، ووضوئه ، وبصاقه ، والقدح الذي كان يشرب فيه ، وقد ذكرنا تفصيل بعض هذه الأحاديث فيما مضى « 10 » .

--> ( 10 ) انظر ص 140 ، 141 من هذا الكتاب . حدثني صديق أجلّه أن رجلا عمد إلى الصفحة التي فيها كلام عروة هذا ، من كتابي هذا : ( فقه السيرة ) فاستنسخ منها ما شاء من الصور بال ( فوتوكوبي ) وجعل يدور بها على الناس ، متخذا منها وثيقة اتهام ، بل انتقاص لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! . . وأقول : أمّا ما عمد إليه هذا الرجل من استكثاره لهذه الصفحة التي تضمنت هذا البيان ، ونشرها في الناس ، ولفت أنظارهم إلى ما قد دلّت عليه ، فلا ريب أنه مشكور على ذلك ومأجور ، لو خلصت النية وصفا القصد . . فإنّ عمله هذا ليس إلّا تأكيدا لحقيقة ثابتة قد يجهلها كثير من الناس اليوم ، ألا وهي شدة تعظيم الصحابة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والمبلغ الذي بلغه حبهم العجيب له ! . . وما أكثر الألغاز الجاثمة التي تتحدى العقل ، في معالم الفتح الإسلامي وأحداثه ، لو لم يفسرها هذا الحب العظيم الذي هيمن على مجامع القلوب ، وامتد إلى أغوار النفوس ، والذي جاء ثمرة اليقين العقلي الجازم بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم هو رسول اللّه ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين . وأمّا ما قصد إليه هذا الإنسان ، من وراء ذلك ، من تشويه مكانة محمد عليه الصلاة والسلام في القلوب ، وإظهاره في أعين الناس في مظهر المدلّ على أصحابه ، المتلذذ برؤية هذا الذي يتسابقون إليه ، وإبرازه في صورة الثقيل السمج ، دأبه أن يري الناس من نفسه ما كان خليقا به أن يستره عنهم ، يروّضهم بذلك على حبّه والاستئناس بكل ما قد يتصل به أو ينفصل عنه . . . أقول : أمّا ما قد قصد إليه هذا الرجل من ذلك ، فقد أبعد النّجعة ، وأخطأ الطريق ، وخانه الهدف ! . . . كثيرون هم الذين سعوا هذا السعي ؛ واعتصروا الفكر ، واستنجدوا بالحيلة ، وناشدوا التاريخ ، كي يتاح لهم أن ينسجوا صورة من هذا القبيل لمحمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فما عادوا من سعيهم أو محاولتهم بأي طائل . وظلّ كل من العقل والتاريخ والفكر الحرّ أمينا على الكلمة الجامعة التي وصف اللّه بها محمدا عليه الصلاة والسلام : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . اقرأ ما تشاء من صفحات أي كتاب في شمائل هذا الرسول العظيم ، تجد نفسك أمام المثل الأعلى ، والنموذج الأتم