محمد سعيد رمضان البوطي

236

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

واحتسب فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا أعطينا القوم عهودا ، وإنا لا نغدر بهم » . ولقد أخذ الصحابة ينظرون إلى هذا الأمر ، وقد داخلهم من ذلك همّ عظيم . ولكن ، فما الذي تمّ بعد ذلك ؟ . . « لقد جاء إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد ذهابه إلى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش اسمه : أبو بصير ، فأرسلوا في طلبه رجلين من المشركين ليستردّوه ، فسلّمه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إليهما ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله ، ففرّ الآخر . ثم عاد أبو بصير إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : يا نبي اللّه ، قد واللّه أوفى اللّه ذمّتك ، قد رددتني إليهم فأنجاني اللّه منهم ، ثم إنه خرج حتى أتى سيف البحر ، وتفلت أبو جندل ، فلحق به هناك ، وأصبح ذلك المكان مثابة للمسلمين من أهل مكة ، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير وإخوانه ، فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوا المشركين وأخذوا أموالهم . فأرسلت قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تناشده اللّه والرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه ، فجاؤوا إلى المدينة » « 8 » . ولما كان فتح مكة ، كان أبو جندل هذا ، هو الذي استأمن لأبيه وعاش رضي اللّه عنه حتى استشهد في وقعة اليمامة « 9 » . وهكذا صحا أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه وسلم من همهم ذاك ، على مزيد من الإيمان بالحكمة الإلهية ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، روي في الصحيح أن سهيل بن سعيد رضي اللّه عنه قال يوم صفين : « أيها الناس ، اتهموا رأيكم ، لقد رأيتني يوم أبي جندل ، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لرددته ! » . ومرة أخرى نكرر ونقول : هل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل وأظهر ؟ ومن الحكم الجليلة أيضا ، أن اللّه جلّت قدرته إنما أراد أن يجعل فتح مكة لنبيّه فتح مرحمة وسلم ، لا فتح ملحمة وقتال ، فتحا يتسارع الناس فيه إلى دين اللّه أفواجا ، ويقبل فيه أولئك الذين آذوه وأخرجوه ، يلقون إليه السلم ويخضعون له الجانب مؤمنين آيبين موحدين . فجعل من دون ذلك هذا التمهيد ، تؤوب فيه قريش إلى صحوها وتحاسب فيها نفسها وضميرها ، وتشترك هي الأخرى مع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أخذ العبرة من أمر هذا الصلح ومقدماته ونتائجه ، فتنضج الآراء في الرؤوس وتتهيأ لقبول الحق الذي لا ثاني له . وهكذا كان الأمر ، كما ستعلم تفصيله في مكانه إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 8 ) من تتمة حديث البخاري السابق ذكره . ( 9 ) راجع الإصابة : 4 / 24