محمد سعيد رمضان البوطي

234

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

المطوي في علم اللّه وحده ، ولذلك انتزع - كما قد رأيت - دهشة المسلمين أكثر مما اعتمد على فكرهم وتدبيرهم . ومن هنا ، فإنّا نعتبر أمر هذا الصلح ، بمقدماته ومضمونه ونتائجه ، من الأسس الهامة في تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها . ولنتحدث أولا عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التي تضمنها هذا الصلح ، والتي تجلت للعيان فيما بعد ، حتى أضحت آية من آيات اللّه الباهرة ، ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التي تضمنتها وقائع هذا الصلح . فمن الحكم الباهرة ، أن صلح الحديبية كان مقدمة بين يدي فتح مكة . فقد كانت هذه الهدنة - كما يقول ابن القيّم - بابا له ومفتاحا . وتلك هي عادة اللّه سبحانه وتعالى ، يوطّئ بين يدي الأمور التي تعلقت إرادته بإنجازها ، مقدمات تؤذن بها وتدل عليها . ولئن ، لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا في حينه ، فذلك لأن المستقبل غائب عنهم ، فأنّى لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذي رأوه بالغيب الذي لم يتصوروه بعد ؟ ولكن ما إن مضت فترة من الزمن ، حتى أخذ المسلمون يستشفّون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد انطوت عليه من خير . فإن الناس أمن بعضهم بعضا ، واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة ، وأسمعوهم القرآن ، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين ، وظهر من كان متخفيا بالإسلام . روى ابن هشام عن ابن إسحاق عن الزهري قال : « ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ( أي من صلح الحديبية ) إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر » . ولذلك أطلق القرآن اسم الفتح على هذا الصلح ، وذلك في قوله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح 48 / 27 ] . ومن الحكم الجليلة أيضا ، أن اللّه جلّ جلاله أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحا بين وحي النّبوة وتدبير الفكر البشري ، بين توفيق النّبي المرسل وتصرّف العبقري المفكّر ، بين الإلهام الإلهي الذي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها ، والانسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها . أراد اللّه عزّ وجلّ أن ينصر نبوة نبيّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم أمام بصيرة كل متأمل عاقل ، ولعل هذا من بعض تفسير قوله تعالى : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ، أي نصرا فريدا في بابه ، من شأنه أن ينبّه الأفكار السادرة والعقول الغافلة .