محمد سعيد رمضان البوطي
232
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وكسرى والنجاشي ، واللّه إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم محمدا ! . . وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . ثم إنهم أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ممثلا عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتابا بالصلح ، فلما جلس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : هات أكتب بيننا وبينكم كتابا . فدعا النّبي صلّى اللّه عليه وسلم الكاتب ( وكان الكاتب عليا رضي اللّه عنه - فيما رواه مسلم ) فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلم : أكتب « بسم اللّه الرحمن الرحيم » فقال سهيل : أما « الرحمن » فو اللّه ما أدري ما هي ، ولكن أكتب باسمك اللهم ، فقال المسلمون : واللّه لا نكتب إلا بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلم : أكتب باسمك اللهم . ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه . فقال سهيل : واللّه لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب « محمد بن عبد اللّه » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : واللّه إني لرسول اللّه وإن كذبتموني ! . . اكتب محمد بن عبد اللّه . ( وفي رواية مسلم : فأمر عليا أن يمحوها ، فقال عليّ لا واللّه لا أمحوها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أرني مكانها ، فأراه مكانها فمحاها ) ، فقال له النّبي صلّى اللّه عليه وسلم : على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به . فقال سهيل : واللّه ، لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام القادم وليس مع المسلمين إلا السيوف في قرابها . فكتب . فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، ومن جاء منكم لم نرده عليكم ، فقال المسلمون : سبحان اللّه ، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ ! ( والتفتوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يسألونه : أنكتب هذا يا رسول اللّه ؟ ! قال : نعم ، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه ، ومن جاءنا منهم فسيجعل اللّه له فرجا ومخرجا ) « 5 » . وكانت مدة الصلح بناء على هذه الشروط - على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد والحاكم - عشر سنين لا إسلال فيها ولا إغلال ( أي لا سرقة ولا خيانة ) وأنه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه . فتواثبت خزاعة فقالوا : « نحن في عقد محمد وعهده » . وتواثبت بنو بكر فقالوا : « نحن في عقد قريش وعهدهم » . ولما فرغ من الصلح والكتابة ، أشهد على الكتاب رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين . وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب قال : « فأتيت نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت ألست نبي اللّه حقا ؟ قال : بلى ، قلت : ألست على حق وعدونا على باطل ؟ قال : بلى ، قلت : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى ، قلت : فلماذا نعطي الدنيّة في ديننا إذن ؟ قال : إني رسول اللّه ولست أعصيه وهو ناصري . قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قلت : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به . فلم
--> ( 5 ) ما بين القوسين تفصيل لرواية مسلم . والحديث بطوله من لفظ البخاري مع زيادات لمسلم .