محمد سعيد رمضان البوطي
230
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
القسم السادس الفتح : مقدّماته ونتائجه مرحلة جديدة من الدّعوة صلح الحديبية كان في شهر ذي القعدة ، آخر سنة ست للهجرة . وسببها أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أعلن في المسلمين أنه متوجّه إلى مكة معتمرا ، فتبعه جمع كبير من المهاجرين والأنصار بلغ عددهم ألفا وأربع مئة تقريبا . وأحرم صلّى اللّه عليه وسلم بالعمرة في الطريق ، وساق معه الهدي ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرا البيت ومعظما له . وأرسل صلّى اللّه عليه وسلم وهو عند ذي الحليفة عينا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة ، وسار النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى وصل إلى غدير الأشطاط ، فأتاه العين الذي كان قد أرسله ، فقال له : « إن قريشا جمعت لك جموعا ، وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك ، فقال : أشيروا أيها الناس . . فقال له أبو بكر : يا رسول اللّه ، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد ، فتوجه له ، فمن صدّنا عنه قاتلناه . قال : امضوا على اسم اللّه . ثم قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ فقال له رجل من بني أسلم : أنا يا رسول اللّه . فسلك بهم طريقا وعرا بين الشعاب ، وسار النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه حتى إذا كانوا في ثنية المرار ( وهي طريق في الجبل تشرف على الحديبية ) بركت به راحلته ، فقال الناس : حل ، حل ( اسم صوت كانوا يزجرون به الجمال ) فلم تتحرك ، فقالوا : خلأت القصواء ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : ما خلأت ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت ، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على حفيرة قليلة الماء ، فلم يلبث الناس حتى نزحوه ، وشكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم العطش ، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فو اللّه ما زال يجيش لهم