محمد سعيد رمضان البوطي
214
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
« اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ، فبارك في الأنصار والمهاجرة » « 70 » . وروى البخاري أيضا في صحيحه عن جابر رضي اللّه عنه قال : « إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق ، فقال : أنا نازل ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم المعول فضرب ، فعاد كثيبا أهيل ( أو أهيم ) فقلت : يا رسول اللّه ائذن لي إلى البيت ، فقلت لا مرأتي : رأيت بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم شيئا ما كان لي في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق « 71 » . فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة « 72 » ، ثم جئت النبي صلّى اللّه عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي « 73 » قد كادت أن تنضج ، فقلت : طعيّم لي ، فقم أنت يا رسول اللّه ورجل أو رجلان . قال : كم هو ؟ فذكرت له ، قال : كثير طيب ، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي . ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لهم قوموا . . وفي طريق أخرى : فصاح النبي صلّى اللّه عليه وسلم : يا أهل الخندق ، إن جابرا قد صنع سورا « 74 » فحيّ هلا بكم . فلما دخل جابر على امرأته قال : ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! . . قالت : هل سألك كم طعامك ؟ قال : نعم ، قالت : اللّه ورسوله أعلم . ثم جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : ادخلوا ولا تضاغطوا . فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمّر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية ! قال : كلي هذا واهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة ( وفي رواية أخرى ) فأقسم باللّه لقد أكلوا حتى تركوا وانصرفوا ، وإن برمتنا لتغطّ كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو » « 75 » . موقف المنافقين من العمل في الخندق : روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين ، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله . وفي ذلك نزل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى
--> ( 70 ) البخاري : 5 / 46 وروى مسلم عن البراء نحوه بألفاظ قريبة : 6 / 187 ( 71 ) هي الأنثى من المعز . ( 72 ) البرمة : القدر . ( 73 ) الأثافي : الحجارة التي توضع عليها القدر . ( 74 ) السور : بضم السين بدون همزة يطلق على الصنيع العام من الطعام . ( 75 ) صحيح البخاري : 6 / 46 وانظر فتح الباري : 7 / 279 و 280