محمد سعيد رمضان البوطي
211
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الوحي كل هذه الفترة التي تأخرها ، كي تتجلى للناس حقيقتان ، كل منهما على غاية من الأهمية : أما الحقيقة الأولى ، فهي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشرا من الناس ، فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية ، فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا للّه وحده . وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن الوحي الإلهي ليس شعورا نفسيا ينبثق من كيان النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما أنه ليس شيئا خاضعا لإرادته أو تطلعه وأمنياته . إذ لو كان كذلك ، لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها ، ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة في أهله قرآنا يطمئن به أصحابه المؤمنين ، ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول . ولكنه لم يفعل ، لأنه لا يملك ذلك . ولننقل لك ما يقوله في بيان هذه الحقيقة الدكتور محمد عبد اللّه دراز في كتابه ( النبأ العظيم ) يقول : « ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضي اللّه عنها ، وأبطأ الوحي وطال الأمر والناس يخوضون ، حتى بلغت القلوب الحناجر ، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس : « إني لا أعلم عنها إلا خيرا » ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب ومضى شهر بأكمله والكل يقولون : « ما علمنا عليها من سوء » ، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر : « يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه » . هذا كلامه بوحي ضميره ، وهو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب ، وكلام الصديق المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم ، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنا براءتها ومصدرا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها . فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ويذبّ بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي ، لتنقطع ألسة المتخرّصين ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ « 65 » [ الحاقة 69 / 44 - 47 ] . ولقد كانت السيدة عائشة رضي اللّه عنها ، أول من تجلّت لها هاتان الحقيقتان ، حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها للّه وحده مذهبا أنساها ما سواه ومن سواه ، فلذلك أجابت أمّها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم قائلة : « لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللّه ، هو الذي أنزل براءتي » .
--> ( 65 ) النبأ العظيم للدكتور محمد عبد اللّه دراز : ص 17