محمد سعيد رمضان البوطي

21

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

تضبط عملية استنباط النتائج والمبادئ من تلك الأحداث ، ضمن قالب علمي يقصيها عن سلطان الوهم وشهوة الإرادة النفسية التي يعبر عنها أمثال وليم جيمس بإرادة الاعتقاد . من هذه القواعد : القياس الاستقرائي ، وقانون الالتزام بأنواعه المختلفة ، والدلالات بأنواعها . . إلخ . ولقد استنبطت من أحداث السيرة النبوية طبقا لهذه القواعد أحكام كثيرة ، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين ، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك . والمهم في هذا الصدد أن نعلم بأنها جاءت منفصلة عن التأريخ وتدوينه ، بعيدة عن معناه ومضمونه ، وإنما كانت نتيجة معاناة علمية أخرى نهضت في حد وجودها على البنيان التاريخي الذي قام بدوره على القواعد العلمية التي ذكرناها . السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة في كتابة التاريخ : في القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه ، إلى جانب الطريقة الموضوعية ، أو ما يسمونه بالمذهب العلمي ، وقد تلاقى معظم هذه المذاهب فيما أطلق عليه اسم المذهب الذاتي . ويعد ( فرويد ) من أكبر الدعاة إليه والمتحمسين له . ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي ، في تفسير الأحداث وتعليلها والحكم على أبطالها . . بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ ، لا مجرد وصف الأخبار وتجميع الوقائع العارية . وهذه الطريقة تجعل كتابة التاريخ وتدوينه عملا فنيا مجردا ، ولا تسمح بعدّه نهوضا بعمل علمي دقيق . ونحن ، وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخية ونقدها ، فإن علينا ألّا نخفي أسفنا من أن يجد هذا المذهب - في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيته - دعاة إليه ومؤمنين به . ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال ، بفعل سبحات من أخيلة التوسم وشهوة الذات وعصبية النفس والهوى . وكم من حقيقة مسخت ، وأحداث نكّست ، وأمجاد دثرت ، وبرءاء ظلموا ، تحت سلطان هذه المحكمة الوهمية الجائرة . فهل كان لهذا المذهب الجديد من تأثير على كتابة السيرة وطريقة تحليلها ؟ والحقيقة أن هذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساسا لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبوية وفهمها عند طائفة من الباحثين . فكيف نشأت هذه المدرسة ؟ . . وما هي عوامل نشأتها ؟ . . وما مصيرها اليوم ؟ . . تعود نشأة هذه المدرسة إلى أيام الاحتلال البريطاني لمصر ، لقد كانت مصر آنذاك منبر العالم