محمد سعيد رمضان البوطي

195

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

قبائل محارب وبني ثعلب ، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري رضي اللّه عنه . وعسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى ( نخل ) ، ولكن اللّه تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب - وقد كانت كما يقول ابن هشام جموعا كبيرة - فتفرقوا بعيدا عن المسلمين ، ولم يقع أيّ قتال . غير أن في قصة هذه الغزوة - مع ذلك - مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها ، فلنجتزئ عن ذكر القصة كلها ، بذكر هذه المشاهد : أولا : روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ، قال : فنقبت أقدامنا ، فنقبت قدماي وسقطت أظافري ، فكنا نلف على أرجلنا الخرق ، فسميت غزوة ذات الرقاع ، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق . قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك ، قال : كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه » . ثانيا : روى البخاري ومسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلم صلى في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ، وأن طائفة صفّت معه ، وطائفة وجاه العدو . فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ، ثم سلّم بهم « 47 » . ثالثا : روى البخاري أيضا عن جابر رضي اللّه عنه : « أنه لما قفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قفل معه ، فأدركتهم القائلة ( وقت القيلولة ) في واد كثير العضاه ( نوع من الشجر ) فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتفرق الناس يستظلون الشجر ، ونزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال لي : من يمنعك مني ؟ فقلت له : اللّه ، فها هو ذا جالس . . . ثم لم يعاقبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » « 48 » . رابعا : روى ابن إسحاق وأحمد عن جابر رضي اللّه عنه ، قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم

--> ( 47 ) رواه البخاري في 5 / 53 باب : غزوة ذات الرقاع ، ورواه مسلم في 2 / 214 باب صلاة الخوف وزاد مسلم فروى بعد ذلك عن جابر أنه نودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، قال : فكانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين . قلت : ووجه التوفيق بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة ، فصلاها مرة على النحو الأول وصلاها مرة أخرى على النحو الثاني وحديث مسلم يدل على أن المسافر يجوز له أن يتم الرباعية ويقصرها وهو مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد ، خلافا للحنفية . . ( 48 ) صحيح البخاري : 5 / 52 و 53 و 54