محمد سعيد رمضان البوطي
189
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح ، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم ، لآن الأسير في يد الكفار مقهور مهان ، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه « 39 » . خامسا : إذا تأملنا في جواب زيد بن الدثنة لأبي سفيان ، قبيل قتله ، علمنا مدى المحبة التي كانت تنطوي عليها أفئدة الصحابة لرسولهم صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التي حببت إلى قلوبهم كل تضحية وبذل في سبيل دين اللّه تعالى والدفاع عن رسوله . ومهما بلغ المسلم في إيمانه ، فإنه بدون مثل هذه المحبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعتبر ناقص الإيمان . وإنها لحقيقة صرح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » « 40 » . سادسا : دلّ ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيرا في مكة ، أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ، مع فارق أساسي لا بدّ منه ، وهو أن معجزة النبي تكون مقرونة بالتحدي ودعوى النبوة ، أما كرامة الأولياء والصالحين فتأتي عفوا دون أن تقترن بأي نوع من التحدي . وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة والجماعة . ولا أدلّ عليه من هذا الذي أكرم اللّه به خبيبا قبيل قتله ، وهو ثابت كما رأيت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره . سابعا : قد يتساءل البعض : فما الحكمة في تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذين لم يخرجوا إلا استجابة لأمر اللّه ورسوله ؟ وهلّا مكّنهم اللّه من أعدائهم ليتغلبوا عليهم ؟ . . والجواب هو ، ما كنا ذكرناه أكثر من مرة ، من أن اللّه تعالى تعبّد عباده بتحقيق أمرين اثنين : إقامة المجتمع الإسلامي ، والسعي إلى ذلك في طريق شائكة غير معبّدة . والحكمة من ذلك أن تتحقق عبودية الإنسان للّه تعالى ، وأن يمحّص الصادقون عن المنافقين ، وأن يتخذ اللّه منهم شهداء ، وأن يتجلّى المعنى التنفيذي للمبايعة التي جرت بين اللّه وعباده المؤمنين ، والتي صرح بها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ . . [ التوبة 9 / 111 ] وأي معنى كان يبقى للتوقيع على صك هذه المعاهدة ، لو أن كل ما جاء في مضمونها وهم لا يتحقق ؟ ! بل وأي قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة والسعادة الأبدية الخالدة . والمشكلة في أساسها ، إنما تطوف في رأس من قدر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقي وأولاها أكثر مما تستحق من الاهتمام ، وضعف تعلقه في المقابل بالحياة الآخرة وشأنها . وتلك هي
--> ( 39 ) انظر نهاية المحتاج للرملي : 8 / 78 ( 40 ) متفق عليه .