محمد سعيد رمضان البوطي
184
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
عاشرا : وقد رأينا فيما يرويه البخاري رضي اللّه عنه ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصلّ عليهم ، وجمع بين الرجلين في قبر واحد ، وقد استدل من ذلك العلماء على أن الشهيد في معركة الجهاد لا يغسل ولا يصلى عليه ، بل يدفن بدمائه . قال الشافعي رضي اللّه عنه : جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم ، وأما ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم ، صلى عليهم عشرة عشرة ، وفي كل عشرة حمزة ، حتى صلى عليه سبعين مرة فضعيف وخطأ « 33 » . كما استدلوا بذلك أيضا على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد في القبر ، أما بدون ضرورة فلا يجوز . حادي عشر : وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين ، اتضح لنا درس معركة أحد اتضاحا كاملا ، وتبين لنا كل من نتيجتيها : السلبية والإيجابية ، وظهر لنا بما لا يدع مجالا للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد . فقد رأينا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكد يؤذّن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدوّ ، حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس ، من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح والآلام ، ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه ، وانطلقوا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر . ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو غرض دنيوي ، وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل اللّه ، وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية ، وقروحهم المؤلمة . فما الذي كان من نتيجة ذلك ؟ لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم والتغلب على خصومهم ، ولا وقع الهزيمة وآلام الجروح الكثيفة في المسلمين حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم . وكيف كان السبيل ؟ . . لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين ، وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد ، أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وصحبه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم ، فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة ، وانطلقوا سراعا إلى مكة لا يلوون على شيء ! . . أما كيف داخلهم هذا الرعب الغريب من المسلمين ، وهم الذين كسروا شوكتهم ووضعوا
--> ( 33 ) راجع مغني المحتاج : 1 / 349