محمد سعيد رمضان البوطي
173
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
غزوة أحد سببها أن بقية من زعماء قريش ممن لم يقتلوا في غزوة بدر ، اجتمع رأيهم على الثأر لقتلاهم في بدر ، وأن يستعينوا بعير أبي سفيان وما فيها من أموال لتجهيز جيش قوي لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فاجتمعت كلمة قريش على ذلك ، وانضمّ إليهم غيرهم أيضا ممن يسمّون بالأحابيش ، واستعانوا بعدد كبير من النسوة كي يمنعن الرجال من الفرار إذا أحدق بهم المسلمون . وخرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل . وسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالخبر فاستشار أصحابه وخيّرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم ، والبقاء في المدينة ، فإن دخلوا عليهم فيها قاتلوهم ، فكان رأي بعض شيوخ من المسلمين عدم الخروج من المدينة ، وكان عبد اللّه بن أبي بن سلول من أصحاب هذا الرأي ، غير أن كثيرا من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال في بدر رغبوا في الخروج ، وقالوا : « يا رسول اللّه اخرج بنا إلى أعدائنا ، لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا » . . ولم يزل أصحاب هذا الرأي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا ، فدخل بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه وظن الذين ألحوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم ، ولما خرج عليهم قالوا : استكرهناك يا رسول اللّه ، ولم يكن لنا ذلك ، فإن شئت فاقعد . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته ( أي درعه ) أن يضعها حتى يقاتل » « 17 » . ثم إن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم خرج من المدينة في ألف من أصحابه ، وذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من هجرته عليه الصلاة والسلام « 18 » ، حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عبد اللّه بن أبي بن سلول بثلث الجيش - وعامتهم من شيعته وأصحابه - وكرّ راجعا بهم وهو يقول : « عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له ، وما ندري علام نقتل أنفسنا ؟ » . وتبعهم عبد اللّه بن حرام يناشدهم اللّه أن لا يخذلوا نبيهم ، فلم يستجيبوا لندائه ، وقال زعيمهم : « لو نعلم قتالا لا تّبعناكم » . وروى البخاري رضي اللّه عنه أن المسلمين اختلفوا في أمر هؤلاء الذين انخذلوا عن المسلمين ، ففرقة منهم تقول نقاتلهم ، وأخرى تقول دعوهم ، فنزل في ذلك قوله تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ
--> ( 17 ) رواه ابن إسحاق والإمام أحمد ، وروى الطبري قريبا منه ، وانظر سيرة ابن هشام : 2 / 62 ، وتاريخ الطبري : 2 / 500 ، وترتيب مسند الإمام أحمد : 22 / 52 ( 18 ) طبقات ابن سعد : 3 / 87 ، وسيرة ابن هشام : 2 / 62