محمد سعيد رمضان البوطي

168

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائلا : « إنني أتولى اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم » . ففيهما نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ [ المائدة 5 / 51 - 52 ] . العبر والعظات : هذه الواقعة تدل في جملتها ، على مدى ما ركب في اليهود من طبيعة الغدر والخيانة ، فلا تروق لهم الحياة مع من يجاورونهم أو يخالطونهم إلا بأن يبيتوا لهم شرّا أو يحيكوا لهم غدرا ، وهم على أتمّ الاستعداد لأن يخلقوا جميع الوسائل والأسباب لذلك . ولدى دراستنا التفصيلية لهذه الحادثة نخرج بدروس ومبادئ نجملها فيما يلي : أولا : ( حجاب المرأة المسلمة ) ، لقد رأينا أن مصدر الحادثة هو إرادة اليهود المرأة العربية المسلمة على كشف وجهها ، وذلك حينما دخلت في سوقهم لأمر يخصها . . ولا تنافي بين هذا السبب الذي رواه ابن هشام والسبب الآخر الذي رواه بقية رواة السيرة ، من حقدهم على المسلمين عقب انتصارهم في غزوة بدر وقولهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنا واللّه لئن حاربتنا لتعلمن أنّا نحن الناس » ، فالأغلب أن السببين واقعان معا وكل منهما يتمم الآخر ، إذ من البعيد أن ينبذ إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عهدهم لمجرد ظهور بوادر الضغينة على وجوههم وفي كلماتهم ، بل لابد أنهم قد تصرفوا مع ذلك تصرفا أساؤوا فيه إلى المسلمين على نحو ما رواه ابن هشام . وهو يدل على أن الحجاب الذي شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضا ، وإلا لم يكن هنالك أي حاجة إلى أن تسير هذه المرأة في الطريق ساترة وجهها ، ولو لم يكن سترها لوجهها تحقيقا لحكم ديني يأمرها بذلك ، لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا ، لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الديني الذي كان يبدو جليا في مظهرها . وقد يقال : إن في هذه القصة التي تفرد بروايتها ابن هشام بعض اللين ، فلا تقوى على الدلالة على مثل هذا الحكم ، إلا أنه يشهد لها أحاديث كثيرة أخرى ثابتة لا مجال للطعن فيها . فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها ، في باب ما يلبس المحرم من الثياب . قالت : « لا تلثّم - أي المرأة - ولا تتبرقع ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران » . ومثله ما رواه مالك في الموطأ عن نافع أن عبد اللّه بن عمر كان يقول : « لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس