محمد سعيد رمضان البوطي

152

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

العبر والدلائل : لهذه الوثيقة دلالات هامة تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي . ونلخصها فيما يلي : 1 - إن كلمة ( الدستور ) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة . وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج ؛ أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة بعضهم مع بعض ، وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين . وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بوحي من ربه واستكتبه أصحابه ، ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود . حسبنا ذلك دليلا على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة ، وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ أول بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية . وظاهر أن هذه المقومات ، أساس لابد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع . إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى ، ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، على إنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها . ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية ، ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينا قوامه ما بين الإنسان وربه ، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء . وهي أحبولة عتيقة ، كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار ، أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى . إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينا لا دولة ، وعبادات مجردة ، لا تشريعا وقوانين . وحتى لو كان الإسلام دينا ودولة في الواقع ، فينبغي أن ينقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول . غير أن هذه الأحبولة تقطعت سريعا ، لسوء حظ أولئك المحترفين ، وأصبح الحديث عنها من لغو القول ومكشوف الحقد والضغائن . ولكن مهما يكن ، فينبغي أن نقول ، ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة : « إن مولد المجتمع الإسلامي نفسه إنما كان ضمن هيكل متكامل للدولة ، وما تنزلت تشريعاته إلا ضمن قوالب من التنظيم الاجتماعي المتناسق من جميع جهاته وأطرافه ، وهذه الوثيقة أكبر شاهد على ذلك » .