محمد سعيد رمضان البوطي

148

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة . فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية ، لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما ، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة . على أن التآخي أيضا لا بد أن يكون مسبوقا بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها ، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى ، خرافة ووهم ، خصوصا إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية . ومن أجل ذلك ، فقد جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه ، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند اللّه تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة للّه تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح ، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه . ثانيا : إن المجتمع - أي مجتمع - إنما يختلف عن مجموعة ما من الناس منتثرة متفككة ، بشيء واحد ، هو قيام مبدأ التعاون والتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع ، وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها ، فإن كان هذا التعاون والتناصر قائمين طبق ميزان العدل والمساواة فيما بينهم ، فذلك هو المجتمع العادل السليم ، وإن كانا قائمين على الحيف والظلم ، فذلك هو المجتمع الظالم والمنحرف . وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق ، فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه ؟ إن الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك ، إنما هي التآخي والتآلف ، يليها بعد ذلك ضمانة السلطة والقانون . فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد ، فإنها لا تتحقق ما لم تقم على أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم ، بل إن هذه المبادئ لا تعدو أن تكون حينئذ مصدر أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع ، ومن شأن الأحقاد والضغائن أن تحمل في طيها بذور الظلم والطغيان في أشد الصور ، والأشكال . من أجل هذا ، اتخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من حقيقة التآخي الذي أقامه بين المهاجرين والأنصار أساسا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم . ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة ، ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك ( الأرضية ) الأولى ، ألا وهي الأخوة الإسلامية ولولا هذه الأخوة العظيمة ، التي