محمد سعيد رمضان البوطي

143

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

مؤخره مئة ذراع ، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه ، ثم بنوه باللبن ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه ، وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل عمده الجذوع ، وسقفه بالجريد . وقيل له : « ألا نسقفه ؟ » . فقال : « عريش كعريش موسى : خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك » « 2 » أما أرضه ، فقد بقيت مفروشة بالرمال والحصباء . وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ، أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم ، قال : « ثم إنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا ، فقال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا ، فقالوا : لا واللّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه ، فقال أنس : فكان فيه ما أقول لكم : كانت فيه قبور المشركين ، وكانت فيه خرب ، وكان فيه نخل . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ، قال : فصفوا النخل قبلة المسجد قال : وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معهم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة » « 3 » . وقد ظل مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير فيه مدة خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه ، ثم زاد فيه عمر رضي اللّه عنه بعض التحسين . ولكنه بناه على بنائه في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا . ثم غيّره عثمان رضي اللّه عنه ، فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ( الجص ) « 4 » . العبر والدلائل : نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة نجملها فيما يلي : 1 - مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية : فقد أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها ، على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك ، يتألف من هؤلاء المسلمين ، الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة . فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر : بناء المسجد . ولا غرو ولا عجب ، فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي ، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه . وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .

--> ( 2 ) طبقات ابن سعد : 2 / 5 ( 3 ) البخاري : 1 / 111 ( 4 ) إعلام الساجد : 224 - 225