محمد سعيد رمضان البوطي
136
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
موضع يده ، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة ، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا وثوما ، فردّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم أر ليده فيه أثرا ، فجئته فزعا فقلت : يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي ، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ، وكنت حينما ترد علينا فضل طعامك أتيمم أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة . فقال : إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة ، وأنا رجل أناجى ، فأما أنتم فكلوه . قال : فأكلناه ، ثم لم نضع في طعامه شيئا من الثوم أو البصل بعد » « 60 » . العبر والعظات : تحدثنا في فصل سابق ، عن معنى الهجرة في الإسلام ، عند تعليقنا على هجرة المسلمين إلى الحبشة ، وقلنا إذ ذاك ما خلاصته : « إن اللّه عز وجل جعل قداسة الدين والعقيدة فوق كل شيء ، فلا قيمة للأرض والوطن والمال والجاه إذا كانت العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب أو الزوال ، ولذا فرض اللّه على عباده أن يضحوا بكل ذلك - إذا اقتضى الأمر - في سبيل العقيدة والإسلام » . وقلنا أيضا : « إن سنّة اللّه تعالى في الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التي تتمثل في العقيدة السليمة والدين الحق هي الحافظة للمكاسب والقوى المادية ، فمهما كانت الأمة غنية في خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادي المتمثل في الوطن والمال والعزة يغدو أكثر تماسكا وأرسخ بقاء وأمنع جانبا . ومهما كانت فقيرة في أخلاقها مضطربة تائهة في عقيدتها فإن سلطانها المادي المتمثل فيما ذكرنا يغدو أقرب إلى الاضمحلال والزوال . وقلنا : إن التاريخ أعظم شاهد على ذلك » . ولذلك شرع اللّه عز وجل مبدأ التضحية بالمال والأرض في سبيل العقيدة والدين عندما يقتضي الأمر ذلك . فبه يضمن المسلمون لأنفسهم المال والوطن والحياة ، وإن بدا لأول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه . وحسبنا دليلا على هذه الحقيقة هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة . لقد كانت بحسب الظاهر تركا للوطن وتضييعا له ، ولكنها كانت في واقع الأمر حفاظا عليه وضمانة له ، ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشيء يبدو في صورة الترك له والإعراض عنه . فقد عاد بعد بضع سنوات من هجرته هذه - بفضل الدين الذي أقام صرحه ودولته - إلى وطنه الذي أخرج منه ، عزيز الجانب ، منيع القوة ، دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولا حقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأي سوء . .
--> ( 60 ) الإصابة لابن حجر : 1 / 405 ، وسيرة ابن هشام : 1 / 479 ، وترتيب مسند الإمام أحمد : 20 / 292