محمد سعيد رمضان البوطي
134
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أما المشركون فقد انطلقوا - بعد أن علموا بخروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم - ينتشرون في طريق المدينة ويفتشون عنه في كل المظانّ ، حتى وصلوا إلى غار ثور ، وسمع الرسول وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا » . فأجابه عليه الصلاة والسلام : « يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » « 56 » . فأعمى اللّه أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار ، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله . . ولما انقطع الطلب عنهما خرجا ، بعد أن جاءهما عبد اللّه بن أرقط ( وهو من المشركين ، كانا قد استأجراه ليدلهما على الطرق الخفية إلى المدينة بعد أن اطمأنّا إليه ، وواعداه مع الراحلتين عند الغار ) فسارا متبعين طريق الساحل بإرشاد من عبد اللّه بن أرقط . وكان قد جعل مشركو مكة لكل من أتى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر رضي اللّه عنه دية كل منهما . وذات يوم ، بينما كان جماعة من بني مدلج في مجلس لهم ، وبينهم سراقة بن جعشم ، إذ أقبل إليهم رجل منهم فقال : إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل ، أراهما محمدا وأصحابه . فعرف سراقة أنهم هم ، ولكنه أراه أن يثني عزم غيره عن الطلب ، فقال له : إنك قد رأيت فلانا وفلانا ، انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالّة لهم . ثم لبث في المجلس ساعة ، وقام فركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول فعثرت به فرسه فخرّ عنها ، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين ، فخرّ عنها ثم زجرها حتى نهضت ، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع في السماء مثل الدخان ، فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وداخله رعب عظيم ، فناداهما بالأمان . فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى وصل إليهم ، فاعتذر إليه وسأله أن يستغفر له ، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع ، فقالا له : لا حاجة لنا ، ولكن عم عنا الخبر ، فقال : كفيتم « 57 » . ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول . . . وهكذا انطلق إليهما في الصباح جاهدا في قتلهما ، وعاد في المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما .
--> ( 56 ) متفق عليه . ( 57 ) متفق عليه ، والتفصيل للبخاري : 4 / 225 - 256